المقالات

ألفُ كربلاء !

عمران نت / 11 / 9 / 2019

// مقالات //مصباح الهمداني
ماذا لو كُنَّا في عهد الحسين عليه السلام؟
سؤال راودني كثيرًا، ولا شك أنه راودكم أكثر، وبعدَ عصر الاحتمالات وتقطيع الشكوك، وخلط البراهين، ومشاهدة المشهد؛ تحرَّكت دوامة القرار…
أين سأقِف؟ معَ من سأكون؟ هل سأحملُ سيفي وأولادي وأسير بجوار الحُسين ع؟ هل سأستقبِلُ الموتَ المؤكد بشجاعةٍ وبسالة؟ هل سأقفزُ فوق أسلاك يزيد الشائكة والملتهبة؟ هل سأقاومُ بريق الذهب ولمعان الفضة؟ هل سأتجاوز صليل السيوف وقرع الطبول؟
أسئلةٌ لا تكاد تُطرَح، حتى تحترق النفس كمرجلٍ تحته نار.
لاشك أنَّ الإجابات ستكون “مع الحسين” بنسبة 99%، وهذه النسبة خادعةٌ ومُخادعة، وكاذبةٌ وخائبة!
لماذا؟
لأنني قلَّبتُ بصري في بلدي الحبيب، ورأيتُ كربلائيات متكررة، ولم يقفُ معها ويتوقفُ لنصرتها إلاَّ القلَّةْ.
رأيتُ كربلاء مرَّان…
والحسين بن بدرالدين يُحاصر من كل مكان، ويُرمى في كهفه بكل أنواع السلاح، ثمَّ يقذف بالقنابل المتفجرة، ثمَّ تُصبُّ من فوقِ كهفه براميلُ النفط، ثم تُشتعلُ الحرائق، وتتوالى الانفجارات، ويخرجُ غائبًا عن الوعي، محمولاً على الأكتاف، كخشبةٍ متصلبة كما روى ذلك أخيه “إبراهيم الشهيد”، آلاف الجنود يحيطون بالبدر الحسين، أو حسين البدر، أو حسين مرَّان، يحيطون به وأعينهم نحو الحرائر الباكيات المحتسبات، والصغيرات المفجوعات، وبنادقهم نحو الصدور والنحور…

ورأيت كربلاء في حوث حاشد؛
حينما اجتمعت كلاب بني الأحمر، وحاصرت بيوت بني هاشم هناك، والتي لا يزيد عددها عن العشرة، وبدأت بقتل العابد الزاهد في جوار المسجد، وقتلت العاملين في المزارع، وكانت ثالثة الأثافي اقتحام البيوت، وإحراقها، وقتل الكبير المُحارب، وجر الطفل الرضيع، وملاحقة المكالف المُستضعفات، كانت جريمة يستنكرها العُرف، وتشمئز منها القبيلة، وتحتقرها الأنفس الرفيعة، لكن بطلها يومها كان أسدُ سنة يزيد، ومن يستطع يومها أن يقول للأحمر الصغير: ماذا تفعل؟

ورأيت كربلاء في ضربة عطَّان بقنبلة الدمار والموت؛
والتي اهتزَّت لها آلاف البيوت، وتهدمت منها مئات المنازل، وانتهت فيها أُسرٌ بكاملها، وتناثرت الأشلاء، في الأرض والسماء، وبكَت يومها اليمن لتواسي صنعاء، وخرجَ بعدها داعية يزيد السليماني، والمدعو بعايض القرني؛ ليُفاخِر بأن كابتن الطائرة من أهله، وأنه فخورٌ بما فعله.

ورأيت كربلاء في أسواق ومدارس ومستشفيات وباصات وصالات أفراح وأتراح.

ورأيتُ كربلاء تعز؛
فيما جرى لأل الرميمة وآل الجنيد ، كربلاء جديدة، أُحرقت فيها البيوت، وعُلِّقت فيها الأجساد، وسُحبت فيها الأنفس الطاهرة، وقُتلت فيها العفيفات، واستُحلت فيها المنكرات، ولمْ يُبقِ اليزيديون جُهدًا في التعذيب والتنكيل.

ورأيتُ كربلاءً أخرى في قرية الصراري…
تلك القرية المعلقة، والمنقطعة عن الضوضاء، والبعيدة عن الفوضى، والتي سكنَ أهلها أعالي جبالها، يتنفسون أول النهار وآخره؛ باكورة الضباب وختامه، يقيمون صلواتهم بكل خشوع وسكينة، وتسري بينهم المودة والمحبة، وفي موجة يزيدية فاجرة، جاءت الوجوه المنكرة، وأحاطت بالقرية من كل مكان، يرافقها حِلف قرن الشيطان، بالمدفعية والطيران، وكانت المذبحة البشعة، والجريمة المنكرة، والتي لم يرحموا فيها شيخًا هرما، ولا عجوزًا غابرة، دخلَ الفجرة ، وأحرقوا ما لا يُحرق، وهدموا مالا يُهدم، وعاثوا في القرية فسادًا لا يُوصف، فقذفوا بالشيوخ من أعالي الجبال، وبقروا بطون ربات الحجال، وقطعوا أيادِ المؤمنين الأبطال، وهدموا المسجد وأحرقوا المصاحف، ولولا انقطاع الذخيرة عن الأشبال؛ لما دخلَ داعشي وما وطيء قريتهم مرتزق.

ورأيتُ كربلاء في وادي الأشراف بمارب؛
حينما جاءهم شمرٌ مرتزق حقير، ورأى ما هُم فيه من خير وفير، فأرادَ أن يبتلع أرضهم، ويساومهم على ابتلاعها بالموت، فكانوا شعارهم الموت دون الأرض أولى، فحشَد لهم صاحب حزم العُدين، ما استطاع من أطقمٍ ومرتزقة، ودعا المئات من عملاء الإخوان، ليهجموا هجمة يزيدية، بجيشٍ متكامل العدة والعتاد؛ على بيوتٍ معدودة، ومزارع محدودة، وأفراد يعدون بالأصابع، فقاتلَ الأباة الأشداء دون أرضهم وعرضهم، حتى نفد ما بأيديهم من سلاح، فاستلوا الجنابي والخناجر، ولمعت السكاكين بيد الحرائر، ولم يتوقف النجباء عن مواجهة الجبناء؛ حتى أجهدت الأذرع، وكلَّتِ النصال، وكانت الغلبة لجحافل الكثرة، ونيران الحُثالة، ودخلَ السفلة إلى كل غرفة، وأحرقوا كل شيء؛ من ملابس الأطفال إلى سيارات الأشراف إلى حراثات المزارع، إلى المحاصيل نفسها، لقد عاثوا الفساد بالضرع والأرض والزرع.

وما زلتُ أرى كربلاء في الدريهمي؛
حيثُ تنتهك الإنسانية، وتداس الآدمية، وتظهر الجاهلية.
مديرية صغيرة في أطراف الحديدة؛ يحاصرها مرتزقة السُّفن، وأبناء البارجات، ولقطاء المدرعات، وجلائب الدبابات.
يحيط بهم الجنجويد الأراذل، ونعال عيال ناقص، ويَقودهم المُقاد؛ تارك عمه. عبدٌ يقود عبيد، وعبيدٌ يحاصرون أسياد.
كربلاء الدريهمي بلا ماء ولا غذاء ولا ملبسٍ ولا دواء، لأكثر من عام والكلاب حولهم، لا تسمحُ لأهلها بالدخول ولا بالخروج، وتتساقط عليهم القذائف كل حين، ويبحثون عن الطعام في ورق الأشجار، وفي جذوع النخيل، ولا يكادون يدفنون الأول حتى تختطف منهم القذائف التالي. قبورٌ مفتوحة، وجنائز محمولة، وعزاءٌ مستمر، ورصاص منهمر. كربلاء الدريهمي أخرج فيها تحالف العشرين دوله مخالبه وأنيابه وأظافره، وجعلَ من ضعفها له مفخرة.
ومع عطشها وجوعها وفقرها ومصابها؛ إلاَّ أنها صامدة وتنتظر آذانًا واعية وقلوبًا زاكية؛ لسماع قصتها، ونُصرة قضيتها…

وختامًا لسنا بحاجة للسؤال عن حالنا فيما لو شهدنا موقعة الطَّف بكربلاء؛

فإن كربلاء مران وحوث وتعز والصراري والاشراف والدريهمي وألف كربلاء تجري على رقاب أطفال ونساء اليمن؛ كافية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
ومن تخلَّف عن نصرة كربلاء العصر؛ فإنه بلا شك ولا ريب سيتخلف عن كربلاء الطَّف.
ومن لم ينصر كربلائيو اليوم فإنه مع يزيد قلبًا وقالبا، ولا يختلف يزيد الأمس عن يزيد اليوم إلا عند من أعمى الله بصره وبصيرته.

ملتقى الكُتَّاب اليمنيين

مقالات ذات صلة