لا قيمة لأي رفعة إذا كان الإنسان منحطاً عند الله، إذا كان الإنسان لا كرامة له عند الله

عمران نت/ 17 / يناير 2019م

من هدي القرآن الكريم

القضية الثانية: لا يجوز أن يكون هَمُّ الإنسان من وراء التعلم هو أن يكون له مكانة رفيعة عند هذا أو عند ذاك أو عند هؤلاء الناس أو أولئك، هذه من الحماقة أيضاً. أهم ما يجب أن تطلبه وأهم رفعة يجب أن تطلبها وتنشدها وأعظم علوّ يجب أن تنشده وتطلبه وتعمل على أن ترتقي بنفسك إليه هو: أن تحظى بالقرب من الله. أرفع الناس أعلى الناس أعظم الناس هو أقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا قيمة لأي رفعة إذا كان الإنسان منحطاً عند الله، إذا كان الإنسان لا كرامة له عند الله.

ومن الإستهتار بالله وبعظمته ألا يكون في نفسك شعور بأن عظمته، بأن القرب منه بأن الرفعة في القرب منه بأن العلو والسمو في القرب منه هو أعظم وأهم من الرفعة عند الناس، ومن العلو عند الناس، ومن المكانة عند الناس. استهتار بالله أن تنشُد الرفعة عند الناس، ولا يكون همك أن تكون مقرباً عند الله؛ لأنك حينئذ قد جعلت للناس في نفسك مكانة أعظم من مكانة الله، وجعلت الناس أعظم عندك من الله، فأصبح القرب منهم أصبحت المكانة عندهم أصبحت الرفعة لديهم هي عندك أغنى وأهم، إلى درجة أنك لا تلتفت إلى قضية الرفعة عند الله والعلو عنده والقرب منه، هذا هو من الاستهتار بعظمة الله سبحانه وتعالى ومن الجهل بالله ومما ينسف أعمال الإنسان كلها.

يجب أن تحرص على أن تكون مقرباً من الله، ويجب أن تعمل على أن تعلي كلمة الله لا أن تعلي شخصيتك، أن ترفع راية الإسلام لا أن ترفع رأسك، أن ترفع الأمة وأن تعلي الأمة لا أن تهتم بشخصيتك أنت، يكفيك شرفا أن تشعر أنك تسير في طريق هو لله رضى، وأنك تسير في سلّم القرب من الله سبحانه وتعالى هذا هو الشرف العظيم، ثم اعمل على أن ترفع كلمة الله على أن تعلي كلمة الله على أن ترفع الأمة وأن تعمل في رفعة الأمة من هذه الوضعية المنحطة التي تعاني منها.

هل يمكن أن يحصل لدى أي شخص الشعور بهذا؟ أو قد يكون كل واحد منا يقول: ماذا يمكن أن أعمل لهذه الأمة؟ من أنا حتى أعمل على رفعة هذه الأمة؟! قد يقول أي واحد منا هذا لأننا أصبحنا كمسلمين بابتعادنا عن القرآن الكريم بابتعادنا عن الله، ولأننا لم نعد نعتد بقدرة الله بجبروت الله بأنه هو القاهر فوق عباده، لم نعد نعتد بمعيته، أن معيته قوة، أن معيته نصر، أن معيته تأييد، إذا ما كان معنا.

أصبحنا مهزومين نفسياً لما فقدنا هذه الأشياء أصبحنا مهزومين نفسياً، وأصبح كل واحد تقريبا يرى بأنه لا يمكن أن يكون له دور في إنقاذ الأمة من الوضعية التي تعاني منها. لكن أنت لو ترجع إلى أمثلة كثيرة في واقع الحياة ستجد وعلى طول التاريخ أن إنقاذ عباد الله جاء في أغلب حالاته من حيث لا تحتسب الأمة، وعلى أيدي من لم تكن الأمة تقدر أنه ممكن أن يعملوا شيئا في حياتها وفي تاريخها.

[الخميني] خرج رجلاً فقيراً مهاجراً من قرية تسمى [خُمَين] لو لقي رجلا آخر وقيل له: إن هذا سيعمل في المستقبل عملا عظيما وسيقيم دولة إسلامية ربما لأقسم هذا الأخير أن هذا مستحيل، لأقسم أن هذا مستحيل، لكن تحقق هذا وهكذا أمثلة كثيرة.

فالإنسان يعرف أنه يجب – ونحن تحدثنا معكم في جلسة سابقة – فيما يتعلق بالقرآن الكريم: أن عليك وأنت تعلم القرآن الكريم أن تقدمه للناس وكأنك تعد جنداً لله؛ تتحدث عن آيات الوحدة على أرقى مستوى، عن آيات الجهاد، عن آيات الإنفاق، عن الأمر بأن يكون الناس أنصاراً لله، عن أن يكونوا أمة واحدة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، عن كل ما هو من هذا القبيل تقدمه وكأنك تعد جيلاً مجاهداً هذا هو منطق القرآن، لا تحاول أن تعكس نفسيتك وهزيمتك النفسية على طلابك وعلى القرآن الكريم فتقدمه هزيلا.

أيضا أنت كطالب علم عندما تقرأ القرآن الكريم لا تدخل إلى القرآن بنفسيتك المهزومة، أدخل إلى القرآن بعد أن تكون قد نذرت حياتك لله ونذرت موتك لله وجعلت من نفسك جنديا لله؛ إلتزاماً بقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} (الصف: من الآية14) فاقرأ القرآن حينئذ وتأمله لتعرف كيف تؤهل نفسك كجندي من جنود الله، لكن أن تقرأ القرآن أو تقرأ علوما أخرى لتدخل إلى القرآن بعد فتمر بآيات من هذا النوع فتحاول أن تجمدها مكانها فاعرف أن هذا هو الشقاء، وهذا هو الذي يجعل الإنسان فعلا لا يقدم ولا يؤخر للأمة بل يضر بالأمة بل يضر بالدين بل يضر بنفسه.

عندما يصل إلى مثل آية: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّه} سيقول: “هذه آية محلها حقيقة، بس مَن ذي جهده؟” عند آية: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: من الآية104) يقول: “هذا صح لكن من ذي جهده؟ الناس ما منهم شيء، والناس ما هم طايعين”.

وهكذا عندما يدخل الإنسان بهذه الروحية لن يعمل شيئا لن يحقق شيئا ويكون في واقعه لا يصح أن يطلق عليه اسم عالم. العالم: هو من يجب أن يستفيد علمه من القرآن الكريم، وأن يكون علمه بالشكل الذي يجعل القرآن حياًّ في واقع الحياة، وحياًّ في نفسه، يجعل القرآن حياًّ في نفسه وفي واقع الحياة، أما أن يقرأ يقرأ لينتهي في الأخير إلى أن يجمد كل هذه الآيات مكانها فهو ليس بحاجة إلى أن يقرأ حتى يجمدها.

إن الله يريد من الناس أن يتعلموا ليعملوا، لا أن يتعلموا ليتحايلوا على كيف يجمدون أوامره ونواهيه، وهو سبحانه وتعالى عندما يأمرنا لا يأمرنا بشيء إلا وقد رسم الطرق المتعددة التي يمكن أن توصل بالناس إلى أداء ما أمروا به.

عندما يقول: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: من الآية104) ليس مجرد أمر هكذا في الهواء، هو رسم عدة أشياء متعددة هي في متناول الناس، هي في متناولهم إذا ما استشعروا المسئولية، هي في متناول الناس في الأخير تجعل الناس أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهكذا في بقية الأوامر، ليس هناك أمر (كلمة يرمي بها الباري إلى هناك) – على ما نقول – ثم نقول: “والله ما جهدنا اما هذه”.

هو لا يأمر بشيء إلا وقد هيأ كثيرا من التشريعات التي تخدم الأمة في أن تصل إلى تنفيذ هذا الأمر، ولهذا عندما نتعلم القرآن الكريم وكما أسلفنا أن يكون من أهم ما يتوجه ذهنك إليه وأنت تتعلم هو التعرف على الله سبحانه وتعالى، ومعرفة الله هو بالشكل الذي يتناسب مع عظمته سبحانه وتعالى وبالشكل الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه في هذه المرحلة من تاريخنا هو: أن نعرف كيف نعزز ثقتنا بالله، كيف نعزز ثقتنا بالله سبحانه وتعالى حتى نرى أن بالإمكان أن ننفذ كل ما أمرنا أن نقوم به، أن نكون قوامين بالقسط، أن نكون أنصارا له، أن نكون أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن نكون مجاهدين في سبيله، أن نكون مؤمنين فيما بيننا بعضنا أولياء بعض نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.

كل هذا سيصل الناس إليه إذا ما عملنا على تعزيز ثقتنا بالله، وعرفنا سنته في الهداية سنته في التشريع، وعرفنا أنه سبحانه وتعالى ملك يختلف عن بقية الملوك، وملك رحيم، هو رحيم، ولرحمته وبرحمته جعل تدبيره كله وهدايته كلها وتشريعه كله منوطا برحمته، فإذا ما أمرك فأعلم أنه أمرك من منطلق رحمته بك، وعندما أمرك هو سيهيئ لك ما يجعلك تؤدي هذا الأمر من منطلق رحمته بك وهكذا مع كل أوامره ومع كل نواهيه.

أن يقرأ الإنسان القرآن يكون همه أن يتعرف على الله بشكل كبير من خلال القرآن الكريم من خلال القرآن. بهذا أؤكد بأن القرآن الكريم في هذه المرحلة بالذات نحن أحوج ما نكون إليه، وفي هذه المرحلة بالذات هو يتعرض لخطورة بالغة على أيدي اليهود. وليس القرآن في نفسه، القرآن في نفوسنا، القرآن في حياتنا، القرآن في واقعنا هو الذي سيضرب أما القرآن في نفسه لا يستطيع اليهود أن يحرفوه لا يستطيعون أن يزيدوا فيه ولا أن ينقصوا منه لا يستطيعون أبدا أن يمسوه بسوء، لكن يستطيعون بالنسبة لنا أن يجعلونا بالشكل الذي لا يبقى للقرآن علاقة بنفوسنا لا يبقى لنا أي اتصال بالقرآن لا يبقى لنا أي التفات إلى القرآن.

وأنتم لو تتأملون خلال هذه الأحداث وتجدون عندما يتحدث العرب عن موضوع الصراع مع أمريكا وإسرائيل وما يفكرون فيه في مواجهة أمريكا هل تسمع كلمة واحدة من زعيم عربي؟ هل تسمع كلمة واحدة من أي محلل يؤكد على ضرورة اعتماد القرآن الكريم والعودة إلى القرآن الكريم والعودة إلى الله؛ ليصل الناس إلى حل لهذه المشكلة؟ لا. لأن القرآن قد فصلوا منه، لم يعد في ذهنيتهم إطلاقاً: أن بالإمكان أن يكون الحل من خلال القرآن وضل العرب متخبطين هكذا كما نشاهد وتمكن أعداؤنا من التغلب علينا ومن قهرنا.

وترى كلما مشى الزمن شهراً بعد شهر لا ترى إنجازا ولا تقدما فيما يتعلق بالعرب، ترى كل الأعمال تسير في صالح إسرائيل وأمريكا، كل مرة يتحقق شيء إيجابي بالنسبة لليهود، لكن بالنسبة للعرب ولا نقطة واحدة ولا خطوة واحدة ولا موقف واحد؛ لأنهم هكذا أعرضوا عن القرآن لأنهم من البداية – سواء عن طريق اليهود أو عن أي طريق أخر – انصرفوا عن القرآن وابتعدوا عنه، والله سبحانه وتعالى قال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طـه:124) هو أعمى في الدنيا وأعمى في الآخرة، لا يستطيع أن يصل إلى حل، ولا يهتدي إلى حل، ولا يهتدي إلى ما فيه عزّ له وشرف ورفعة وقوة، هذا هو ما تعاني منه الأمة.

ونحن إذا ما تعلمنا القرآن على هذا النحو إذا ما تعلم الإنسان وازدادت معرفته على هذا النحو يستطيع أن يكون مؤثرا، يستطيع أن يكون مؤثرا في الآخرين، يستطيع الناس أن يجعلوا من أنفسهم أمة يكون لها دورها، يكون لها أثرها، يكون لها فائدتها العظيمة بالنسبة للدين وبالنسبة لعباد الله.

الله سبحانه وتعالى عندما أمر الناس لم يأمر الشخصيات الكبيرة أو يأمر أصحاب رؤوس الأموال فقط خاطب الناس جميعا، خاطبنا نحن هؤلاء الذين نقول: “ماذا نعمل؟ ماذا يمكن أن نعمل؟ مهذي با نسوي؟ احنا ما بأيدينا شيء، احنا ما معنا شيء”. ألسنا نقول هكذا؟ لكن لماذا يخاطبنا الله؟ هو لم يخاطبنا إلا وهو يعلم أن باستطاعتنا أن نعمل شيئا وإلا لكان من تحميل ما لا يطاق.

فالإنسان قد يردُّ على الله هو يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} لكن لو سألت أي واحد منا عن أول الآية هل أنت من الذين آمنوا؟ لقال: نعم. مَنْ الذي يمكن أن يقول: لا؟

طيب الله يقول لك كواحد من بقية المؤمنين: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} قال: “ما جهدنا” أنت في هذه الحالة تتعامل مع الله تعاملا يدل على جهلك بالله، يدل على أن الله ليس له مكانة في نفسك.

أنت يجب أن تفهم أنه بمجرد أن يقول: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} أنه لا يأمرنا أن نكون أنصارا له إلا وهو يعلم أن باستطاعتنا أن نكون أنصارا له وهو يعلم الغيب، أليس هو الذي يعلم الغيب؟ يعلم الغيب والشهادة هو عالم بكل الوسائل التي يمكن أن نستخدمها فنكون أنصارا لدينه، هو عالم وهدانا فعلا إلى الطريقة التي يمكن من خلالها أن نؤهل أنفسنا حتى نكون أنصارا له، وأنها كلها بمتناولنا.

الله لا يأمر الناس بشيء إلا وهو في متناولهم أن يعملوه إما مباشرة أو في متناولهم أن يهيئوا أنفسهم لأن يصلوا إلى العمل به وإلا لكان من تكليف ما لا يطاق والرحيم لا يكلف الناس بما لا يطيقون أبدا.

هذا ما أريد أن أؤكد عليه.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى الإخلاص له، إلى أن تكون عبادتنا له، وأن تكون حياتنا له، وأن يكون مماتنا له، وأن يجعل همنا هو الحصول على رضاه، إنه على كل شيء قدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]

كانت هذه المحاضرة بمناسبة نزول طلبة ومعلمي مدرسة الإمام الحسين عليه السلام بـ (المجازين) لزيارة

السيد /حسين بدر الدين الحوثي في منزله بعد عصر يوم الجمعة الموافق 26/7/2002م

مقالات ذات صلة