معادلة الردع الجديدة

طلال الغادر

في الوقت الذي تكشف فيه مشاهد الإعلام الحربي عن ضربات “رجوم” المسيرة التي تفتك بتحشيدات العدو، تُظهر مؤشرات الاقتصاد العالمي تآكلاً ممنهجاً في قدرة الرياض على تصدير النفط، إثر “القبضة المزدوجة” التي تجمع بين الاستهداف المباشر للقوة العسكرية التابعة للعدو السعودي، والخنق البطيء للشريان الاقتصادي المغذي لها، بتكامل عملياتي يؤكد أن صنعاء قوة تفرض اشتراطاتها على الميدان العملياتي، وترسم التحولات، التي تترجمها بيانات القوات المسلحة المؤكدة على أنها “لن تقف مكتوفة الأيدي”.

وتهدف الضربات الاستباقية المستهدفة لتجمعات وآليات العدو السعودي، إلى “إفشال التحضيرات للحرب البرية”، وفق رؤية تعبر عن فهم عميق لطبيعة التهديد؛ فبدلاً من انتظار اكتمال التحشيدات الهجومية ثم مواجهتها في معارك دفاعية مكلفة، تختار صنعاء تفكيك هذه القوة في مراحلها الجنينية.

وتفرض هذه الرؤية على العدو السعودي واقعاً قاسياً، فتصبح كل محاولة لإعادة التموضع أهدافاً مشروعة لصنعاء، ومغامرة محسومة النتائج مسبقاً للرياض، مما يحول الجبهات إلى مناطق استنزاف بدلاً من أن تكون ساحات هجوم.

وما وثقته مشاهد الإعلام الحربي يؤكد ولادة منظومة قتالية متكاملة العناصر، يعكس التركيز على “قوة الرصد والاستطلاع والتوثيق”، وحقيقة أن المعركة إدراكية، تدور حول امتلاك “المعلومة والقدرة على توظيفها”، وإن اللقطات التي تظهر الطائرات المسيرة وهي تحدد أهدافها وتنقل صوراً حية قبل لحظة الاستهداف، ثم تنفذ ضرباتها بدقة لا تعرف الخطأ، ترسم صورة عن تفوق استخباري.

وهذا التنسيق الفوري بين الراصد والمستهدف يكشف عن بنية قيادية موحدة، وقدرة على إدارة المعركة في “الزمن الحقيقي” وفق معادلة جديدة بطلها يرى ما فوق الأرض، ويلتقط التفاصيل الدقيقة ويحولها إلى نيران موجعة، مما يجرد التحصينات من قيمتها، ويكشف هشاشة الدفاعات التي كان يُراهن عليها.

ويُوضح مسار المعركة العسكرية التي تخوضها صنعاء، صلتها بالمعركة الاقتصادية، إذ تشير التقارير الدولية إلى تراجع صادرات النفط السعودي إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وارتفاع أقساط التأمين إلى أرقام قياسية، وهي نتائج مباشرة ومقصودة لاستراتيجية “الحصار بالحصار”، حيث نجحت القوات المسلحة اليمنية في تحويل البحر الأحمر، الشريان الحيوي للاقتصاد السعودي، إلى منطقة محظورة العبور، وهي خطوة تمثل نقلة نوعية من الدفاع عن الأرض إلى ممارسة الضغط العادل على المصالح الحيوية للمعتدي.

وهنا يعتبر عجز الرياض عن حماية ناقلاتها، وتوجهها إلى حجب بيانات التصدير لأول مرة في تاريخها، اعترافًا ضمنيًا بفعالية الردع اليمني، الذي أثبتت صنعاء من خلاله أن الجغرافيا، التي استخدمت لتبرير التدخل العسكري، يمكن أن تتحول إلى سلاح في يد من يحسن قراءتها.

ويعزز التأكيد المتكرر لصنعاء على أن المواجهات الحالية هي امتداد للعدوان والحصار المستمر منذ 12 عامًا، التأصيل الشرعي والقانوني لطبيعة المعركة، ويربط بين العمليات العسكرية الحالية ومطالب عادلة وواضحة: رفع الحصار، فتح المطارات والموانئ، دفع المرتبات، وإطلاق سراح الأسرى، وهي مطالب تقف عند الحد الأدنى لنيل الحقوق الإنسانية التي تتهرب الرياض من الوفاء بها بعد سنوات من المماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات التي كانت برعاية أممية.

وبالتالي، فإن كل ضربة عسكرية، وكل عملية خنق اقتصادي، تقدم نفسها كوسيلة ضغط مشروعة لإجبار المعتدي على التراجع عن سياساته الظالمة، وفق ربط حكيم بين الميدان والمطالب، يمنح الحرب اليمنية بعدها الأخلاقي، ويحول المواجهة الجارية، إلى معركة تحرر وطني ضد هيمنة خارجية ترفض الاعتراف بحق شعب في الحياة الكريمة.

وتأتي دعوة “المغرر بهم” إلى العودة إلى جادة الصواب كجزء لا يتجزأ من القيم الإيمانية اليمنية، ورسالة تؤكد أن الحرب ليست ضد أبناء اليمن، بل ضد مشروع خارجي يستغلهم، وإن تذكير هؤلاء بأن مستقبل اليمن يصنعه أبناؤه، لا من يراهنون على وعود الخارج المتقلبة، كما هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النسيج الوطني، ودعوة صادقة تعكس ثقة صنعاء في موقفها، وقدرتها على التمييز بين الخصم الحقيقي وضحاياه.

ونجحت صنعاء في بناء منظومة ردع متكاملة _ تجمع بين الضربة العسكرية الدقيقة والخنق الاقتصادي المحكم_ أفشلت الرهان السعودي على كسر إرادة الشعب اليمني بالقوة العسكرية أو الحرب البرية.

المشهد الحالي يثبت أن اليمنيين، بصبرهم وقدراتهم المتطورة، يدافعون عن وجودهم، وباتوا اليوم يفرضون شروطهم ويرسمون ملامح مستقبل المنطقة، وفق هندسة ردع جديدة، تختلط فيها التكنولوجيا بالإرادة، لتؤكد أن النصر لمن يملك أوضح رؤية وأقوى إرادة، لا لمن يمتلك ترسانة أكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى