صناعة الفوضى.. كيف تتفكك المجتمعات دون طلقة واحدة؟

عمران نت — تقارير

الفوضى ليست دائمًا مشهدًا صاخبًا تشتعل فيه الشوارع، أو انهيارًا مفاجئًا للنظام، أو صدامًا مسلحًا يلفت الأنظار، ففي كثير من الأحيان تبدأ الفوضى في مكان أكثر هدوءًا وأشد خطورة “في الوعي”، فتبدأ بكلمة تُلقى في الوقت المناسب، بخبر ناقص، بصورة مجتزأة، بشائعة تبدو صغيرة، بسؤال يُزرع في ذهن الناس ثم يُترك لينمو وحده، تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وحين يصبح الشك هو القاعدة، والثقة استثناءً، وحين تتحول المؤسسات من مظلة جامعة إلى موضع اتهام دائم.

لهذا فإن الفوضى التي تُصنع عمدًا لا تحتاج بالضرورة إلى قوة هائلة كي تبدأ؛ يكفي أن تتوافر بيئة قابلة للاختراق، ومجتمع أنهكته الأزمات، ومساحات إعلامية مفتوحة، وأدوات قادرة على تضخيم التناقضات الصغيرة وتحويلها إلى أزمات كبيرة. وكما يقال فإن أخطر الفوضى ليست تلك التي تكسر الأبواب، بل تلك التي تجعل الناس يشكّون في من يقف خلف الباب.

الفوضى المنظمة: حين يصبح الاضطراب مشروعًا

الفوضى المنظمة ليست غيابًا كاملًا للنظام، وإنما هي إنتاج مقصود لحالة من الاضطراب تمنع المجتمع من الوصول إلى حالة مستقرة من التوافق والثقة والقدرة على اتخاذ القرار، والفارق جوهري بين الفوضى الطبيعية والفوضى المصنوعة، فالأولى قد تنتج عن كارثة طبيعية، أو صراع سياسي، أو خلل إداري، أما الثانية فتقوم على استثمار نقاط الضعف الموجودة أصلًا، وتوسيعها، وربطها ببعضها حتى يبدو المجتمع وكأنه ينهار من داخله. وفي هذا النوع من الصراعات لا يكون الهدف -بالضرورة- السيطرة المباشرة على المجتمع، بل دفعه إلى استهلاك طاقته في الصراع الداخلي

كلما انشغل الناس بالسؤال: من المخطئ؟ ومن الخائن؟ ومن المسؤول؟ ومن الذي يكذب؟ ومن الذي يجب أن نثق به؟ تقلصت قدرتهم على طرح السؤال الأهم: من المستفيد من كل هذا الاضطراب؟ وهنا تتضح إحدى أهم قواعد صناعة الفوضى التي تنص على أن الجهة التي تريد إرباك مجتمع ما لا تحتاج إلى اختراع جميع مشكلاته؛ يكفيها أن تعرف كيف تستثمر مشكلاته الحقيقية.

آليات الإرباك المجتمعي

لا تُصنع الفوضى بأداة واحدة، بل بمنظومة متداخلة من الأدوات وفي مقدمتها الإغراق المعلوماتي؛ حيث يُدفع إلى المجال الإعلامي بكمٍّ هائل من الأخبار والتعليقات والتسريبات والادعاءات، بحيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة من الوصول إلى المعلومة نفسها، وهنا لا تعود المشكلة في غياب المعلومات، وإنما في وفرتها المفرطة.

عشرات الروايات تظهر في الوقت نفسه، وكل رواية تدّعي امتلاك الحقيقة، وكل طرف يقدم أدلته، وكل صورة يمكن إخراجها من سياقها، وكل مقطع يمكن اقتطاعه من حديث طويل، وفي النهاية يصل المجتمع إلى حالة من الإرهاق المعرفي تجعله يقول: “لا أحد يعرف الحقيقة”. وهذه الجملة في حد ذاتها، انتصار مهم لصناعة الفوضى.

ومن أدوات الإرباك كذلك تضخيم القضايا الثانوية حتى تطغى على القضايا الأساسية، فحادثة صغيرة تتحول إلى قضية رأي عام، وخلاف محدود يتحول إلى معركة هويات، وخطأ فردي يُقدَّم باعتباره دليلًا على فساد مؤسسة كاملة. وبالتوازي، يجري دفع المجتمع نحو الاستقطاب: هذا مع هؤلاء، وذاك ضدهم، وهذه الفئة في مواجهة تلك، وهذا الرأي خيانة، وذاك الرأي عمالة. وهكذا يتحول الاختلاف الطبيعي في أي مجتمع إلى خصومة دائمة.

صناعة الشك.. عندما تصبح الحقيقة موضع ريبة

الثقة هي أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين الناس بعضهم وبعض، وبين المجتمع ومصادر المعلومات. وحين تتآكل هذه الثقة، لا يحتاج المجتمع إلى عدو دائم الظهور كي يضطرب؛ يكفي أن يبدأ أفراده بالنظر إلى بعضهم بعض باعتبارهم مصادر محتملة للخطر، وهنا تأتي مرحلة أكثر عمقًا، “نشر الشك”، فليس المطلوب دائمًا أن يصدق الناس رواية كاذبة؛ أحيانًا، يكفي أن يشكوا في الرواية الصحيحة، وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالتضليل الناجح ليس بالضرورة أن يقنعك بالكذب، بل قد ينجح بمجرد أن يجعلك غير قادر على معرفة أين توجد الحقيقة. ومن هنا تنتشر عبارات من قبيل “كلهم يكذبون”، “لا أحد يقول الحقيقة”، “كل شيء مدبر”، “لا يمكن الوثوق بأي جهة”. قد تبدو هذه العبارات تعبيرًا طبيعيًا عن الإحباط، لكنها عندما تتحول إلى حالة عامة ومستقرة فإنها تصبح ذات أثر بالغ الخطورة؛ لأنها تنزع من المجتمع القدرة على بناء موقف مشترك، فالمجتمع الذي لا يثق بمؤسساته، ولا يثق بإعلامه، ولا يثق بمصادر معلوماته، ولا يثق حتى بأفراده، يصبح مجتمعًا سهل الاستنزاف وصعب التماسك.

الإعلام.. من نقل الحدث إلى صناعة الانطباع

في عصر المنصات الرقمية، باتت المعركة غير مقتصرة على الحقيقة وحدها؛ أصبحت أيضًا على ما يسمى “الانطباع الأول”، أي من يسبق إلى تقديم رواية الحدث قد يؤثر في الطريقة التي سيُفهم بها الحدث لاحقًا، حتى لو ظهرت معلومات جديدة بعد ذلك، ولهذا أصبحت الصورة، والعنوان، والمقطع القصير، والوسم المتداول، والتعليق المقتضب، أدوات قادرة على تشكيل وعي جماعي واسع وقد لا تكون المعلومة كاذبة بالكامل؛ فقد تكون صحيحة في أصلها، لكنها موضوعة داخل سياق مضلل، وهذه من أخطر تقنيات التأثير: “الحقيقة المجتزأة”. فالمعلومة الصحيحة إذا اقتُطعت من سياقها يمكن أن تؤدي وظيفة الكذبة، والصورة الحقيقية إذا أُخرجت من زمنها ومكانها يمكن أن تصبح أداة تضليل، والتصريح الصحيح إذا بُترت مقدمته وخاتمته يمكن أن يُستخدم لإثبات عكس معناه

لذلك فإن حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية لا تكون بمنع تداول المعلومات، وإنما ببناء “ثقافة تحقق” تجعل المواطن قادرًا على السؤال من قال؟ ومتى قال؟ ولماذا قال؟ وما السياق؟ وما المصدر الأصلي؟ ومن المستفيد من انتشار هذه الرواية؟. وأفضل مثال يعبر عن هذه الحقيقة هو ما ذكره الله عن بني إسرائيل كصفة لازمة فيهم بانهم “يلبسون الحق بالباطل”، أي أنهم حتى يصدقهم الناس يطرحون جزءا من الحقيقة، ويخرجونها عن سياقها، ويظهرونها في قالب يناسب الرواية التي يريدون تعميمها.

استهداف المؤسسات.. إسقاط الثقة قبل إسقاط المؤسسة

المؤسسات هي الذاكرة المنظمة للدولة والمجتمع، وهي التي تمنح الحياة العامة قدرًا من الاستقرار والاستمرارية، ولهذا فإن استهدافها لا يبدأ بالضرورة من داخل مبانيها، وإنما قد يبدأ من صورتها في وعي الناس، فحين يصبح كل قرار دليلًا على المؤامرة، وكل خطأ دليلًا على الفشل الكامل، وكل موظف ممثلًا لمؤسسة بأكملها، وكل مؤسسة متهمة بالفساد بصورة مطلقة، فإن عملية تفكيك الثقة تكون قد بدأت، وهنا يجب التفريق بين النقد المشروع والهدم المنهجي للثقة. فالنقد ضرورة، والمساءلة ضرورة، وكشف الأخطاء ضرورة، لكن تحويل الأخطاء إلى ذريعة لتعميم الكراهية على المؤسسات يختلف تمامًا عن عملية التصحيح، فالمؤسسة القوية ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تستطيع الاعتراف بالخطأ وتصحيحه ومحاسبة المسؤول عنه، أما حين تُدفع المجتمعات إلى الاعتقاد بأن لا مؤسسة تستحق الثقة، ولا قانون يستحق الاحترام، ولا جهة قادرة على الإصلاح، فإن النتيجة لا تكون إصلاحًا؛ بل فراغًا مؤسسيًا، والفراغ في السياسة والاجتماع لا يبقى فارغًا طويلًا.

الفوضى تبدأ حين يفقد الناس قدرتهم على الاتفاق

قد يختلف أبناء المجتمع في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وحتى في تفسير الأحداث الكبرى، وهذا أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المجتمع عاجزًا عن الاتفاق حتى على الحقائق الأساسية، فعندما يصبح لكل مجموعة واقعها الخاص، ومصادرها الخاصة، وشخصياتها التي تثق بها، وأعداؤها الذين تكرههم، فإن المجال العام يتحول إلى جزر منفصلة، وعندها يصبح التفاهم أصعب، والتسوية أكثر صعوبة، والقرار المشترك شبه مستحيل -وهذه هي البيئة المثالية للفوضى- فالمجتمع المتماسك يستطيع امتصاص الصدمات؛ أما المجتمع المنقسم داخليًا، الذي فقد مرجعيات الثقة، فقد تكفيه أزمة محدودة كي تتحول إلى أزمة شاملة.

نتائج الفوضى طويلة المدى

قد تبدو الفوضى في بدايتها مجرد اضطراب مؤقت، لكن آثارها قد تمتد سنوات طويلة، وأول هذه الآثار هو استنزاف المجتمع، فالمجتمع الذي يعيش في حالة صراع دائم يستهلك طاقته في الردود والمواجهات والتبرير والدفاع، بدل توجيهها إلى البناء والإنتاج والتعليم والتنمية.

وثانيها تآكل رأس المال الاجتماعي؛ أي ذلك الرصيد غير المرئي من الثقة والتعاون والقدرة على العمل المشترك. وعندما يتراجع هذا الرصيد، تصبح حتى المشاريع البسيطة أكثر كلفة، لأن الناس يبدأون في افتراض سوء النية قبل حسنها.

وثالثها إضعاف المؤسسات، فالمؤسسة التي تفقد ثقة الناس تجد نفسها مضطرة إلى بذل جهود مضاعفة لإقناعهم بأي قرار، حتى عندما يكون القرار ضروريًا.

ورابعها تطبيع الفوضى، وهذه ربما أخطر النتائج، فحين يعيش جيل كامل وسط الشائعات والانقسام والأزمات، قد يبدأ بالنظر إلى الفوضى باعتبارها الوضع الطبيعي، وإلى الاستقرار باعتباره أمرًا استثنائيًا. وعندما تصبح الفوضى مألوفة، يصبح إصلاحها أكثر صعوبة.

الفوضى تهدم الجدران وتفكك المعايير

في المجتمعات المستقرة توجد معايير واضحة نسبيًا لما هو صحيح وما هو خاطئ، وما هو مقبول وما هو مرفوض، أما الفوضى فتعمل على تفكيك هذه المعايير. ويكفي أن تتكرر الكذبة حتى تصبح مألوفة، وأن تتكرر الاتهامات حتى يفقد الاتهام قيمته، وأن تتكرر الفضائح حتى يصبح المجتمع أقل حساسية تجاهها. وهكذا لا يعود الانهيار أخلاقيًا أو مؤسسيًا فقط، بل يصبح انهيارًا في معيار الحكم نفسه، ويصبح الناس أقل اهتمامًا بالحقيقة وأكثر اهتمامًا بمن انتصر في المعركة الإعلامية، ولا يعود السؤال هل هذا صحيح؟ بل هل يخدم موقفي؟ وهنا تبلغ صناعة الفوضى واحدة من أخطر مراحلها؛ حين تتحول الحقيقة من قيمة مشتركة إلى سلاح يستخدمه كل طرف ضد الآخر.

من المستفيد؟

في كل أزمة، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ بل يجب أن نضيف سؤالًا أكثر عمقًا “من استفاد من الطريقة التي حدث بها؟” فليس كل من يطلق شائعة هو بالضرورة صاحب المشروع، وليس كل من يكرر روايةً ما يعرف أصلها، وليس كل من يساهم في نشر الانقسام يعمل لحساب جهة خارجية، لكن فهم صناعة الفوضى يتطلب النظر إلى شبكة المصالح والنتائج،

من الذي يربح عندما تنهار الثقة؟ من الذي يستفيد عندما ينشغل المجتمع بصراعاته الداخلية؟ من الذي يستفيد عندما تتراجع هيبة المؤسسات؟ من الذي يربح عندما يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الخبر الحقيقي والمعلومة المضللة؟

هذه الأسئلة لا تعني افتراض وجود مؤامرة خلف كل حادثة، لكنها تمنعنا أيضًا من السذاجة التي تجعلنا نرى كل الأحداث منفصلة عن مصالح القوى المستكبرة .

ما الذي يحمي المجتمع؟

مواجهة الفوضى لا تبدأ بإسكات الناس، وإنما برفع مستوى وعيهم، ولا تبدأ بمنع النقد، وإنما بتمييز النقد البناء عن حملات الهدم، ولا تبدأ بإخفاء المشكلات، وإنما بمعالجتها قبل أن تتحول إلى ثغرات تستغلها الأطراف المتربصة. ويحتاج المجتمع إلى مؤسسات شفافة قادرة على التواصل، وإعلام مهني يتحقق قبل أن ينشر، ومواطن يمتلك أدوات التفكير النقدي، وتعليم يعلّم السؤال والتحليل لا مجرد التلقي.

 

الفوضى لا تبدأ في الشارع

حين ننظر إلى الفوضى بعد اكتمالها، نميل إلى البحث عن لحظة الانفجار، أول مظاهرة، أول اشتباك، أول انهيار اقتصادي، أول أزمة سياسية، لكن تلك ليست البداية الحقيقية، البداية غالبًا كانت قبل ذلك بكثير، كانت يومًا تراجعت فيه قيمة الحقيقة، ويومًا أصبح فيه الكذب قابلًا للتصديق، ويومًا تحولت فيه الشائعة إلى خبر، والخبر إلى اتهام، والاتهام إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام. كانت عندما بدأ الناس يفقدون الثقة ببعضهم، وعندما أصبح الاختلاف عداوة، وعندما تحولت المؤسسات إلى أهداف، وعندما صار المجتمع يستهلك نفسه في معارك لا يعرف من أشعلها ولا إلى أين تقوده، فالفوضى لا تبدأ عندما تسقط المؤسسات؛ بل عندما تسقط هيبتها في الوعي، ولا تبدأ عندما ينقسم الناس في الشارع؛ بل عندما ينقسمون في الحقيقة نفسها، ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ قبل الشارع، وقبل المؤسسة، وقبل السياسة، فهي تبدأ في الوعي، ومن يحمي وعي المجتمع يحمي قدرته على الصمود.

ومن يفقد وعيه قد يكتشف متأخرًا أن الفوضى التي ظن أنها جاءت من الخارج، كانت قد وجدت طريقها إلى الداخل منذ زمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى