ما بعد استهداف السفينتين السعوديتين… إلى أين تتجه المواجهة؟

تقرير /  محمد ناصر حتروش

تواصل القوات المسلحة اليمنية تكريس معادلة الحظر البحري المفروض على العدو السعودي في البحر الأحمر وخليج عدن، عبر تنفيذ إجراءات ميدانية تستهدف السفن التي تتجاوز قرار الحظر.

ومنذ إعلان فرض الحظر على الملاحة البحرية السعودية في 20 يوليو الجاري، تمكنت القوات المسلحة من منع نحو عشر سفن من العبور، كما نفذت عملية استهدفت السفينتين السعوديتين “ليلى” و”إنسيليا” بعد مخالفتهما قرار الحظر، ما أدى إلى احتراقهما بالكامل، وفقًا لما ورد في بيان القوات المسلحة اليمنية.

 

وتثبت هذه العملية النوعية، إلى جانب الإجراءات الميدانية المتواصلة، انتقال قرار الحظر من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التطبيق العملي، بما يؤكد قدرة القوات المسلحة اليمنية على فرض قواعد الاشتباك الجديدة ومراقبة حركة الملاحة المرتبطة بالعدو السعودي.

 

ووفق خبراء ومحللين سياسيين وعسكريين، فإن بيان القوات المسلحة اليمنية يثبت جدوى إجراءات الحظر في الحد من حركة السفن المخالفة، وتعزيز مستوى الالتزام بقرار الحظر، بما يرسخ معادلة “الحصار بالحصار”، ويمنحها بعدًا عمليًا يتجاوز حدود التحذير إلى التنفيذ الميداني.

 

في السياق، يرى الخبير العسكري العميد نضال زهوي أن اليمن كان سيواجه أوضاعًا إنسانية أكثر قسوة لولا اتساع مساحته الجغرافية، مؤكدًا أن سنوات العدوان والحصار عكست حجم المعاناة التي فرضتها السياسات السعودية على الشعب اليمني.

 

وفي حديثه لقناة المسيرة، يستحضر زهوي مخرجات مؤتمر باريس البحري، معتبرًا أنها شكلت محطة مهمة في تقييم المواجهة البحرية في البحر الأحمر، بعدما خلصت إلى أن التكتيكات اليمنية، رغم بساطتها، تفوقت على أكثر القدرات التكنولوجية تطورًا، وأثبتت عدم وجود حل عسكري ناجع للتعامل معها حتى الآن.

 

ويشير إلى أن العمليات اليمنية أسقطت إحدى أبرز نظريات السيطرة البحرية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا لعقود، الأمر الذي انعكس في التحذيرات من خوض مواجهة بحرية مع إيران، بالنظر إلى امتلاكها تكتيكات مشابهة.

 

ويرجح أن أي محاولة سعودية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر أو حماية ناقلات النفط عبر أسطولها البحري لن تحقق أهدافها، مرجعًا ذلك إلى إخفاق التحالف البحري بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتحالف “حارس الازدهار”، في فرض معادلة مغايرة.

 

وخلص إلى أن الرهان على الخيار العسكري البحري لن يغير موازين المواجهة، ولن يحقق للسعودية النتائج التي عجزت عنها التحالفات الدولية.

بدوره، يرى الخبير في الشؤون العسكرية العميد عمر معربوني أن اليمن يقف اليوم أمام منعطف استراتيجي فارق، مستندًا إلى خبرة تراكمت خلال أكثر من عامين ونصف من مواجهة واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، وهو ما أكسبه قدرة متقدمة على إدارة المواجهات واستقراء مساراتها.

 

ويقول في حديثه لقناة المسيرة: “إن أي تصعيد مقبل سيأخذ منحى مختلفًا، إذ تستطيع القطع البحرية الأمريكية الانسحاب من البحر الأحمر، بينما تبقى الموانئ والمنشآت السعودية أهدافًا ثابتة لا يمكن إخراجها من دائرة التأثير”.

 

وانطلاقًا من هذه المعطيات، خلص إلى أن إصرار النظام السعودي على التصعيد بدلًا من العودة إلى الحوار سيدفع المواجهة إلى مراحل متدرجة، تبدأ باستهداف السفن، وقد تمتد لاحقًا إلى المنشآت الحيوية، خصوصًا أن الرياض، وفق تقديره، لم تعد تمتلك أهدافًا مؤثرة داخل اليمن، في حين أن سنوات العدوان غيرت واقع البنية التحتية اليمنية.

 

ويستقرأ مآلات المواجهة، مرجحًا انتقالها إلى العمق الاقتصادي السعودي، ولا سيما مسارات تصدير النفط عبر ميناء ينبع، معتبرًا أن اتساع دائرة العمليات من شأنه أن يفاقم الضغوط الاقتصادية على السعودية ودول الخليج.

 

ووفقًا لمعربوني، فإن القرار اليمني جاء ثمرة قراءة دقيقة لموازين القوة والضعف، ما يجعل نتائج أي مواجهة ممتدة، على المستويات المنظورة والاستراتيجية، تميل لمصلحة اليمن، لا سيما في ضوء ما أفرزته تجربة المواجهة مع الأسطول الأمريكي.

 

ويضيف: “إن هذه القراءة لا تستهدف التهويل أو المبالغة، وإنما تستند إلى معطيات واقعية”، معربًا في الوقت ذاته عن أمله في أن تتجه المنطقة نحو الاستقرار وعلاقات حسن الجوار، لكنه رأى أن استمرار المكابرة السعودية لن يقود إلا إلى نتائج كارثية.

 

ويلفت إلى أن اليمن لا يسعى إلى إغراق السفن بقدر ما يعمل على فرض معادلة ردع تدفع شركات النقل البحري وشركات التأمين إلى التراجع عن المجازفة، معتبرًا أن استهداف السفينتين السعوديتين وجّه رسالة عملية بأن الإجراءات اليمنية دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.

 

وخلص إلى أن إنهاء الحصار والعدوان وإعادة الحقوق إلى الشعب اليمني يمثلان الطريق الأقصر لتجنب تداعيات اقتصادية وإنسانية واسعة، داعيًا النظام السعودي إلى قراءة المشهد بروية وإدراك الكلفة الاستراتيجية لأي تصعيد جديد.

ذرائع سعودية لتبرير الحصار على اليمن

 

ويواصل العدو السعودي التمسك باستمرار الحصار المفروض على اليمن، مستندًا إلى مبررات يصفها مراقبون بالواهية، من بينها موقف صنعاء المساند لقطاع غزة. وفي المقابل، يسعى إلى تصوير عمليات الإسناد اليمنية خلال معركة طوفان الأقصى على أنها إجراءات غير مشروعة، متجاهلًا الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بحق المدنيين في قطاع غزة على مدى أربعة أعوام متواصلة.

 

وحول هذه الجزئية، يقول رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء اليمنية سبأ، نصر الدين عامر، إن بعض الأطراف تسعى إلى تجريم إسناد اليمن لغزة، بينما تتعامل مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وحصار وإبادة بوصفه أمرًا طبيعيًا، وتنظر بالمنطق نفسه إلى الحصار المفروض على اليمن، معتبرة أن من حقها استمراره، وليس من حق اليمن مواجهته أو السعي إلى إنهائه.

 

ويضيف في تغريدة له على منصة أكس: “إن هذه العقلية تتعمد حرمان اليمنيين من أبسط حقوقهم في العلاج والسفر والتجارة، وترى أن أي تحرك لكسر الحصار يمثل تجاوزًا لإرادة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي”.

 

ووفقًا لعامر، فإن النظام السعودي يتعامل مع اليمنيين بعقلية تقوم على الغرور والتكبر، وهو ما ينعكس في خطابه السياسي والإعلامي، رغم أنه المسؤول عن صناعة معاناتهم عبر الحرب والحصار، ثم يعود لاستخدام تلك المعاناة وسيلة للإساءة إليهم.

 

ويرى أن الرياض تنكر وجود الحصار لأنها لا تستطيع تبرير استمرار إغلاق الموانئ والمطارات وحرمان اليمنيين من حقوقهم، مشددًا على أن إنهاء الحصار ووقف التدخل في اليمن والتخلي عن سياسة الهيمنة يمثل الخيار الوحيد لتجنب مزيد من التصعيد، محذرًا من أن استمرار الانصياع للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية لن يقود إلا إلى تعقيد المشهد وتفاقم تداعياته.

المسيرة نت

 

مقالات ذات صلة