واشنطن تنتقل إلى الميدان: مشروع القاعدة العسكرية وتداعياته على مستقبل غزة

لم تكن جرافات الاحتلال الصهيوني وهي تنهش تخوم قطاع غزة وتقتطع مساحات واسعة قرب مستوطنة “كريات غات” على خط التماس، سوى الواجهة التنفيذية لمخطط أعمق يتجاوز حدود الأمن الميداني المباشر نحو صياغة هندسة استعمارية جديدة للمنطقة.

 

 

الإعلان عن الشروع في بناء منشأة عسكرية وأمنية أمريكية ضخمة، بميزانية تقارب نصف مليار دولار، يمثل تدشينًا رسميًّا لمرحلة الانتقال من الشراكة الاستراتيجية في حرب الإبادة إلى الاحتلال المباشر تحت لافتة إدارة الاستقرار والجهود اللوجستية.

 

ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ التموضع الأمريكي المستجد، الذي يتكئ على أوهام تصفية القضية الفلسطينية وفرض الإملاءات السياسية، لا يعكس فائض قوة بقدر ما ينم عن إخفاق منظومة الاحتلال في إخضاع غزة وإدارتها، ما دفع الأصيل الأمريكي للنزول إلى الميدان مباشرة متدثرًا بعباءة المنظمات الدولية وقوات حظر إطلاق النار، في محاولةٍ بائسة لملء الفراغ الأمني الذي عجزت حكومة الإجرام الصهيونية عن تأمينه على مدار شهور طويلة من الاستنزاف.

 

ويرى مراقبون أن الاندفاع العسكري الأمريكي نحو تخوم غزة يستهدف بالدرجة الأولى سحب البساط من تحت أقدام قوى الجهاد والمقاومة، والالتفاف على منجزات الصمود الأسطوري لمختلف الفصائل الفلسطينية، عبر فرض استراتيجية الوصاية الدولية كبديلٍ سياسي واقِعي.

 

حيث تسعى واشنطن من خلال هذا التواجد المباشر إلى تهميش دور الحاضنة الشعبية وفصائل المقاومة في رسم مستقبِل القطاع، عبر إحكام قبضتها على شريان الحياة الاقتصادي والإنساني؛ فالقاعدة العسكرية الجديدة هي مركز إدارة مركزي ومقر سيطرة يقبض على ملف المساعدات وإعادة الإعمار، ويسحب الصلاحيات حتى من الأجهزة الإسرائيلية التقليدية لضمان تشكيل بيئات آمنة بديلة ومجمعات سكنية مُستحدثة تخضع لفرز أمني صارم.

 

ورغم أن من المؤكد تاريخيًّا وميدانيًّا وجود قاعدة أمريكية سابقة على حدود قطاع غزة، متمثلة في مركز التنسيق المدني العسكري المعروف باسم “سي إم سي سي” في “كريات غات”، والذي كان يضم قوامًا يبلغ مئتي جندي أمريكي، وتركزت مهامهم على تنسيق المساعدات الإنسانية التي كانت تدخل إلى القطاع قبل توقيع مقترح أكتوبر 2025م.

 

إلا أنّ جوهر المسعى الجديد يكمن في محاولة هندسة مشهد تكنوقراط فلسطيني منزوع السيادة والإرادة، يتم تأهيله وتدريبه تحت عين المشرف الأمريكي ليكون أداة وظيفية لإدارة الأمن الداخلي، بما يضمن استكمال أهداف الحرب بوسائل ناعمة وخشنة مغلفة بوعود الاستقرار والتمويل الإقليمي.

 

ولعل الدلالة الأعمق لولادة هذه القاعدة على تخوم غزة تتمثل في التحول الجذري لطبيعة المواجهة؛ إذ يواجه المشروع الصهيوني تراجعًا ملحوظًا في استقلاليته العملياتية المطلقة، بعدما بدا واضحًا لصناع القرار في واشنطن أن عنجهية جيش الاحتلال باتت تشكّل عبئًا استراتيجيًّا وسياسيًّا يهدّد مصالحها في المنطقة.

 

الانتقال الأمريكي إلى نظام المدير المباشر للملف الفلسطيني يضع غزة وجهًا لوجه أمام رأس الهيمنة العالمية، ويحول القطاع رسميًا إلى ساحة مواجهة ومقاومة مشروعة ضد الوجود العسكري الأمريكي الصريح، الذي لم يعد قادرًا على الاختباء خلف الشاشات ومصانع السلاح؛ فحجم المنشآت المقترحة وأبراج المراقبة الممتدة يؤكد أن التواجد الأمريكي طويل الأمد وليس عابرًا كالمشاريع الاستعراضية السابقة.

 

وبالتالي؛ فإنّ مشروع القاعدة الأمريكية يضع قوى محور الجهاد والمقاومة أمام استحقاق تاريخي يفرض التعامل معها باعتبارها ثكنة احتلالية معادية تنتهك السيادة وتستهدف تصفية الهوية الوطنية الفلسطينية، ما يجعلها هدفًا مشروعًا لمختلف العمليات الشعبية والعسكرية حتى يسقط هذا الانتداب الجديد كما سقطت من قبله تحالفات الهيمنة على صخرة قوة وتلاحم ووعي وثبات أصحاب الأرض.

مقالات ذات صلة