حرية الملاحة” لا تعني “مجانية العبور”.

عبدالرحمن حسين العابد

 

الجغرافيا نفسها تمنح اليمن حقاً طبيعياً لا تملكه طهران في مضيقها؟

باب المندب يضيق عند مدخله الجنوبي لدرجة أن الممر الصالح للملاحة يقع بكامله في المياه الإقليمية اليمنية. هذا يعني أن أي سفينة تعبر من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر لا تمر فعلياً بمياه دولية، بل تمر في مياه تخضع لسيادة اليمن.

 

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على أن المضائق الدولية لا يجوز للدولة الساحلية تعطيل المرور فيها، حتى لو وقعت ضمن مياهها الإقليمية.

هذا القانون صُمم لحماية الدول الاستعمارية، وليس لحماية حقوق الدولة الساحلية.

 

موارد تمر ولا عائد يعود

 

اليمن يُستنزف جغرافياً. موقعه الاستراتيجي الذي كان يمكن أن يكون مصدر ثروة، يتحول إلى مجرد ممر تُستهلك فيه بنيته التحتية الطبيعية دون عائد.

 

من الذي يتحدث عن القانون الدولي؟

هي ذات الدول التي شاركت في حرب مدمرة في اليمن لسنوات، وأودت بمئات الآلاف.

التي تغض الطرف عن احتلال الدول وانتهاك السيادات في أكثر من بقعة في العالم.

التي تفرض عقوبات اقتصادية قاتلة على شعوب بكاملها.

 

هذه الانتقائية تجعل الحديث عن “القانون الدولي” يبدو، بالنسبة لنا غير مقبولة.

 

اليمن اليوم واحدة من أفقر دول العالم، تعاني من انهيار في الخدمات الأساسية، ويعتمد أكثر من 80% من سكانها على المساعدات الإنسانية.

وفي المقابل، تمتلك ممراً بحرياً تمر منه من 10 إلى 12% من التجارة البحرية العالمية وحوالي 8.8 مليون برميل نفط يومياً.

وتمتلك أيضاً ممراً رقمياً تمر منه كميات هائلة من كابلات الانترنت وبيانات العالم.

 

ما المانع من تحويل هذا الموقع الجغرافي إلى مورد وطني؟

هناك نموذج بنما وليبيريا، التي يتم فيهما تسجيل السفن تحت علمها مقابل رسوم، وهي صناعة تدر مليارات الدولارات لدول لا تملك بحرية تجارية تذكر.

وفي تركيا يتم تطبيق نظام رسوم ووثائق في المضائق التركية تحت مظلة اتفاقيات دولية واضحة.

 

ما يعيق اليمن اليوم ليس فقط الضغط الدولي، بل أن الدول الكبرى ترى في الانقسام الداخلي مصلحة لها، لأن توحد القرار اليمني سيعني حتماً المطالبة بحق الدولة في مواردها الجغرافية.

 

ما يحتاجه النقاش حول باب المندب ليس تصنيفاً أخلاقياً لما هو “صحيح” أو “خاطئ” وفق قانون وضعي، بل إعادة نظر في مفهوم السيادة ذاتها. هل السيادة مجرد علم يرفرف على سارية، أم أنها تعني أن للدولة الحق في الاستفادة من مواردها الطبيعية والجغرافية؟

 

في العالم المعاصر، الدول الفقيرة مطالبة بالاندماج في الاقتصاد العالمي بشروط الدول الغنية. وعندما تحاول هذه الدول استغلال أوراقها الجغرافية، يتم تهديدها بـ”القانون الدولي” و”حرية الملاحة” و”مصالح المجتمع الدولي”.

 

وفي الأخير: هل يحق لليمن أن تفرض رسوماً؟

نعم.. الجغرافيا تقول نعم.. العدالة الاقتصادية تقول نعم.. السيادة تقول نعم.

وعلى العالم أن يفهم، حرية الملاحة لا تعني بالضرورة “مجانية العبور”.

مقالات ذات صلة