
الرياض وينبع تحت النار اليمنية.. انهيار العمق الآمن وسقوط الرهان السعودي
عمران نت – تقارير – 11 ربيع الآخر 1448هـ
إن الضربات العسكرية لا تتساوى في معناها، فبعضها يُقاس بما أصابه من أهداف، وبعضها يُقاس بما يترك خلفه من أسئلة، وهناك عمليات تتجاوز أثرها المباشر لتصنع لحظة فاصلة في مسار الصراع، وتدفع الخصم إلى إعادة النظر في حساباته. هذا ما يحدث اليوم مع العدو السعودي الذي كان يعتقد أن الولايات المتحدة ستحميه من النيران اليمنية، بالتالي فإن العملية العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة في الرياض وينبع، واحدة من أكثر العمليات دلالة في مسار المواجهة.
في صباح التاسع عشر من سبتمبر تم إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه أهداف متباعدة جغرافيًا في عمق المملكة؛ الرياض، بما تمثله من مركز سياسي وعسكري واقتصادي، وينبع، بما تمثله من عقدة نفطية وتصديرية على البحر الأحمر، ظهرتا في لحظة واحدة داخل المشهد العسكري اليمني.
نُفذت الضربات بمزيج من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، في عملية متعددة المسارات. وهنا تكمن أهمية العملية قبل النظر حتى إلى حجم الأضرار التي خلفتها. فالرياض قلب القرار، ومركز الثقل السياسي الذي تتقاطع فيه المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وحين تصل النيران اليمنية وبزخم كبير إلى هذا القلب، فإن الرسالة تتجاوز المنشأة المستهدفة إلى صورة عن الدولة نفسها وقدرتها على حماية مركزها الأهم، أما “ينبع” فتمثل الوجه الآخر للمعادلة؛ وجه الاقتصاد والطاقة والتصدير، وخصوصًا في ظل أهمية الساحل الغربي كممر بديل للصادرات السعودية. ولهذا فإن جمع الرياض وينبع في عملية واحدة يمنح المشهد معنى مختلفًا، فالعاصمة في جهة، وشريان الاقتصاد في الجهة الأخرى، وبمعنى آخر: ضربة على مركز القرار بالتوازي مع ضربة على مركز من مراكز القوة الاقتصادية.
وهذه هي النقطة التي تجعل العملية جديرة بالقراءة باعتبارها تطورًا في طبيعة الصراع، لا باعتبارها حادثة عسكرية منفردة.
الرياض في مرمى النيران اليمنية
في الرياض تركزت الأنظار على مطار الملك خالد وما رافق الاستهداف من اضطراب في حركة الطيران، واندلاع حرائق واستهداف خزانات وقود ومنشآت مرتبطة بالمطار، وعن إعادة توجيه الرحلات وإغلاق الأجواء مؤقتًا، في مشهد يرسم ملامح العجز السعودي، بعدما أصبحت الرياض التي يفترض أن تكون أكثر مناطق المملكة تحصينًا أصبحت جزءًا من مسرح العمليات.
لسنوات طويلة قامت معادلة الحرب على افتراض أن تكون اليمن ساحة الحرب، والسعودية هي الطرف الذي يمتلك العمق الآمن القادر على إدارة المعركة من وراء الحدود، فكانت المسافة نفسها جزءًا من منظومة الحماية، وكانت المنشآت الحيوية السعودية محاطة بطبقات من الدفاعات الجوية الغربية والحسابات السياسية والتحالفات العسكرية.
إذا كانت الرياض هي عنوان السياسة، فإن ينبع هي عنوان الطاقة، ميناء على البحر الأحمر، ومنشآت مرتبطة بمنظومة نقل وتصدير النفط، وخط أنابيب شرق–غرب الذي يمنح السعودية منفذًا استراتيجيًا لتصدير جزء كبير من نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز. وتضاعفت أهمية ينبع مع اضطراب الملاحة في هرمز، باعتباره منفذًا حيويًا للصادرات السعودية على البحر الأحمر.
ولهذا فإن استهداف ينبع لا يُقرأ فقط باعتباره استهدافًا لمنشأة نفطية؛ بل باعتباره ضغطًا على واحدة من أهم حلقات السلسلة التي تربط النفط السعودي بالسوق العالمية.
وهنا تصبح المعادلة أكثر وضوحا، فالرياض تقول إن القرار يُدار من هنا، وينبع تقول إن الاقتصاد يخرج من هنا. وعندما يصل التهديد اليمني إلى المكانين معًا، فإن المعنى يتجاوز الضرر المادي المباشر إلى اختبار قدرة الدولة على حماية مراكز ثقلها، وهذه هي فلسفة الضربة اليمنية المزدوجة.
سقوط الرهان على الدفاعات الجوية
القوة العسكرية لا تقاس دائمًا بعدد الصواريخ التي أصابت أهدافها، وإنما بقدرتها على إجبار الخصم على توزيع انتباهه وموارده وحساباته على أكثر من جبهة في اللحظة نفسها. ومن هنا فإن العملية العسكرية الأخيرة اعتمدت على تنوع في وسائل الهجوم بين الباليستي والمجنح والمسيرات، بما يخلق تعددًا في المسارات والارتفاعات وطبيعة التهديد. وبعيدًا عن التفاصيل التقنية، فإن الرسالة لهذا التنوع واضحة، إذ لم تعد المعركة محصورة في قدرة طرف على إطلاق النار، وإنما في قدرته على بناء عملية مركبة تفرض على منظومة الدفاع أن تتعامل مع مشهد متزامن ومتعدد الاتجاهات.
وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في مشهد الدفاع الجوي السعودي، فالسعودية أنفقت أموالًا ضخمة في بناء شبكة دفاعية تعتمد على منظومات متقدمة (بينها باتريوت وثاد)، واستعانت بخبرات وشراكات متعددة، ومع ذلك، فإن وصول الهجمات إلى العمق السعودي يدفع إلى التساؤل عن قيمة منظومة الدفاع إذا استطاعت الضربة الوصول إلى قلب المنطقة التي يفترض أنها الأكثر حماية؟
أبعاد معنوية للضربات اليمنية
الحرب تُدار بالسلاح، وتُدار أيضًا بالصورة التي يملكها كل طرف عن قدرة خصمه، فحين كان يُنظر إلى العمق السعودي باعتباره منطقة محمية، كانت هذه الصورة جزءًا من القوة السعودية، وحين تكررت الضربات اليمنية بعيدة المدى وأصابت أهدافها بدقة بدأت هذه الصورة نفسها في التآكل. ومن هنا بات الردع عملية نفسية واستراتيجية بقدر ما هو عملية عسكرية.
فالردع يقوم على إقناع الخصم بأن كلفة الفعل ستكون مرتفعة، وفي المقابل، حين يكتشف الخصم أن الطرف الآخر قادر على الوصول إلى أهداف حساسة في العمق، فإن الحسابات تبدأ بالتغير، وهنا يمكن فهم شعار «الحصار بالحصار»، فقد سبقت العملية تطورات في البحر الأحمر، ثم جاءت العمليات الجوية في العمق السعودي لتضيف بُعدًا آخر إلى الضغط، ناهيك عن فرض السيطرة الميدانية على الساحل الغربي وطرد التحشيدات السعودية بالتزامن مع الفرض الكامل للحظر البحري على الملاحة السعودية. وبذلك تكون الجبهات غير منفصلة، من البحر إلى الساحل وصولا إلى العمق السعودي، وهو ما يشكل حلقات في منظومة واحدة، وهذا هو التطور الأكثر أهمية في المشهد، فالحرب بدأت تُقرأ باعتبارها شبكة من المسارح المترابطة، لا مجموعة من الجبهات المنعزلة.
من البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن الساحل الغربي إلى الأجواء، ومن المنشآت النفطية إلى الرياض، تتشكل أمام الرياض معادلة جديدة في الحسابات الأمنية، وهنا أيضًا ينبغي التوقف عند ينبع بوصفها أكثر من مجرد هدف اقتصادي، فينبع مسار النفط السعودي نحو البحر الأحمر، وأي اضطراب في هذا المسار ينعكس على الصادرات والأسواق والتأمين وحركة الناقلات.
والنفط في السعودية أحد أعمدة الدولة، ومصدر رئيس للإيرادات، وركيزة للحضور السعودي في الاقتصاد الدولي، ولهذا فإن الاقتراب من منشآت الطاقة يعني الاقتراب من منطقة شديدة الحساسية في معادلة القوة السعودية. وهنا تتجاوز المسألة حدود اليمن والسعودية، فعندما تتعرض طرق الطاقة أو منشآت التصدير لاضطراب كبير، فإن الأسواق العالمية تبدأ في التعامل مع المخاطر بصورة مختلفة، فترتفع كلفة التأمين، وتتغير حسابات شركات النقل، وتزداد حساسية المصافي والمشترين، ويصبح كل برميل إضافي مرتبطًا بسلسلة أطول من الحسابات السياسية والأمنية.
أي أن صدى الضربة قد يصل إلى أماكن أبعد بكثير من نقطة سقوطها، وهذه واحدة من خصائص الحرب الحديثة، فضربة محدودة جغرافيًا تستطيع أن تخلق أثرًا اقتصاديًا واسعًا إذا أصابت عقدة استراتيجية.
الرياض تطرق أبواباً لم تكن تتخيلها
في مشهد يكشف حجم المأزق، تؤكد صحيفة «واشنطن بوست» أن تصاعد العمليات اليمنية التي تعيق تدفق النفط السعودي، وضع الرياض أمام محدودية الدعم الأمريكي. مسؤول سعودي يقول إن طلبات المساعدة “لم تُسمَع ولم تُؤخذ بعين الاعتبار” في واشنطن.
إدارة ترامب -وفق الصحيفة- تركّز على حماية مصالحها الأساسية وفي مقدمتها حرية ملاحتها في البحر الأحمر، ولا تريد تكرار تجربة العام الماضي التي أجبرتها على عقد اتفاق عسكري للخروج من المواجهة مع اليمن. أندرو ليبر من مؤسسة كارنيغي يرى أن الرياض “أخطأت بافتراض أن واشنطن ستعود من أجلها إلى ضرب اليمن عسكرياً كما فعلت في 2024 و2025”.
لكن الطامة الكبرى جاءت من «وول ستريت جورنال»: السعودية هرعت إلى واشنطن، وحتى إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، طلباً لمعلومات استخباراتية بشأن اليمن. الصحيفة الأمريكية تكشف أن الحصار اليمني على النفط السعودي قد يدفع نحو تعاون سعودي-إسرائيلي، وأن استعادة اليمنيين السيطرة على أراضٍ حيوية على ساحل البحر الأحمر “أضعفت ادعاءات الرياض بقدرتها على إدارة الملف اليمني منفردةً”.
باب المندب في قبضة اليمن
قناة «بي بي إس» الأمريكية من جهتها رسمت صورة قاتمة للوضع الاستراتيجي قائلة: اليمن يوسّع سيطرته على الساحل الغربي والجزر القريبة من باب المندب، من ميناء المخاء إلى جزيرة ميون، ثم جزيرتَي حُنَيْش الكبرى وحنيش الصغرى. أهمية المضيق بوصفه نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية تجعل هذا التوسع مصدر قلق.
وتشير القناة إلى أن هجمات يمنية استهدفت مناطق بينها خميس مشيط وجيزان والرياض وينبع، وأسفرت عن إصابات وأضرار مادية، بالتزامن مع تعرض خط أنابيب سعودي استراتيجي لهجوم قد تستغرق أعمال إصلاحه أسابيع، وهو الخط الممتد لنحو 745 ميلاً، والذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج بعيداً عن الخليج إلى ساحل البحر الأحمر.
السفير الأمريكي السابق لدى السعودية مايكل راتني يربط بين هذه التطورات وتصاعد المخاطر في أسواق النفط، مشيراً إلى اقتراب أسعار النفط من 110 دولارات للبرميل. ويرى راتني أن تجربة الحرب السعودية ضد اليمن، التي استمرت قرابة عقد ولم تنتهِ إلى حسم عسكري، قد تدفع المملكة في نهاية المطاف إلى العودة للمفاوضات والدبلوماسية ودفع التعويضات.
اعتراف العدو
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، وهي ليست صحيفة عربية ولا يمنية، تأتي لتقدم الاعتراف الأكثر إيلاماً. الصحيفة تؤكد أن اليمن يمثل “الهزيمة العسكرية والسياسية الأشد وطأة التي مُني بها محمد بن سلمان منذ أكثر من عقد من الزمن، بعد أن كان يعتقد أن الحرب عليها لن تكون أكثر من مجرد جولة صحراوية بمركبات الجيب الأمريكية”.
وتحذر الصحيفة من أن أثر اليمنيين لا يقتصر على تغيير المشهد العسكري والسياسي في اليمن فحسب، بل إنهم “انضموا إلى قائمة الدول التي قوضت ركائز السياسة الأمريكية الخارجية في المنطقة”.
وتضيف: “اليمنيون اليوم هم من يحاصرون الملاحة من وإلى السعودية، وهم من يضربون العمق السعودي، وكل ما تفعله الرياض هو تلقي الضربات فقط”. وتتوقع أن يرفع اليمنيون سقف مطالبهم ليشمل “الاعتراف الدولي بهم كحكومة شرعية، فضلاً عن رفع الحصار، وفتح المجال الجوي بالكامل، وتخصيص ميزانية سخية من الخزينة النفطية السعودية”.
المنتصر يفرض شروطه
ما يحدث اليوم هو نهاية فصل وبداية آخر. الرياض التي اعتقدت أن الحرب ستكون نزهة قصيرة، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: عاصمتها تُضرب، ومنشآتها النفطية تُحرق، وحلفاؤها يتخلون عنها.
اليمن، الذي حاصره العدو السعودي لسنوات، يفرض اليوم حصاراً مضادا، والذي كان يُوصف بـ”الدولة الفقيرة”، أصبح يصنع الأسلحة، وبات فاعلاً إقليمياً ودوليا، فالمشهد في المنطقة تبدل عمّا كان عليه قبل اثني عشر عاماً. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تستوعب الرياض الدرس قبل فوات الأوان، أم أن الكبرياء سيستمر في دفع الفاتورة؟




