
الثورة التي أعادت صياغة مفاهيم “الدولة والسيادة”
عمران نت – تقارير – 11 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير | وديع العبسي
منذ اللحظات الأولى التي رأى فيها الثوار أنه لا مناص من الخروج من النفق الذي حشرت فيه المخططات السعودية الأمريكية الشعب اليمني إلا بالتحرك لمعركة الخلاص، جيشت الرياض مجاميع هائلة من الأقلام والأبواق لضرب هذا التحرك الثوري في صميم العقيدة والهدف، في محاولة بدت بائسة لفضّ الجموع عن الالتحام في المسير إلى التحرر.
حينها كانت كل مناحي الحياة قد بلغ مستوى التدهور فيها حد الخطر، والبلد يترنح في انتظار إعلان فشل اليمنيين في تكوين دولة؛ فجاء الخروج الشعبي والالتحام مع الفعل الثوري منطلقاً من واقع ذلك البؤس الذي بدأ ينشب أظافره الحادة في جسد المواطنين، ومن الغيرة على تاريخ أمة كانت الريادة دائماً سمتها عبر العصور. أمةٌ بنت الحضارات وأسست للعلوم، فيما كان العالم تائهاً في البوادي والصحاري، بعضه راعياً للجمال والآخر للبقر.
مخطط الشيطنة وحرب التجهيل النفسي
أرعب التحرك الثوري اليمني في العام 2014 رعاة التخلف والشقاء في هذا البلد، أمريكا والسعودية ومن خلفهما الكيان الإسرائيلي، فتحركوا لوضع خطط لقتل أي نزعة ثورية قبل ولادتها، فجاء المخطط كبيراً بمستوى الهدف، والتقت في تفاصيله أفكار كل المتحللين من القيم والمبادئ وأي ثوابت إنسانية.
التحرك في ظاهره كان سعودياً، غير أنه اعتمد على إدارة أمريكية و”اسرائيلية” حثيثة. وقُبيل الثورة ومع إرهاصاتها وخلال العام الأول من عمرها، بلغت محاولات إجهاضها أقصى مداها؛ من خلال الاشتغال على ضرب النفوس بنشر الشائعات والاكاذيب وشيطنة العمل الثوري، ورسم صور مستقبيلة قاتمة للبلد وواقع الناس في ظل هذه الثورة، وأشكال أخرى من الاستهداف النفسي لليمنين. وفي محاولة لإنجاح هذا التحرك، جرت عملية ضخ مالي هائل للمنفذين في الميدان وعلى شاشات المنصات الأخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ركزت الحملة الشعواء المناهضة لتحرر الشعب اليمني على إدارة حرب نفسية وإعلامية شرسة هدفت إلى تشويه مفهوم الثورة والثوار، وتشكيل معنى خاص له في ذهنية القاعدة الثورية يتسم بالهوان والسلبية والجنوح إلى التسليم والاستسلام لمنطق القوة.
سردية “الشرعية” الشكلية
لم تكن السعودية وحدها من اشتغلت على المنحى، فكثير من الوكالات الأمريكية والبريطانية من “ذوي الدفع المسبق” اجتهدت في تسويق الأفكار المستهدفة للثورة وأهدافها الحرة، وكان واضحاً من تماهي الخطاب الإعلامي الغربي مع هذا المخطط، مشاركةُ الدول التي رأت في الثورة خطراً داهماً على مصالحها الاستعمارية؛ إذ تبنّت هذه الدول السرديةَ المعادية للثورة، وعملت على إشاعة مفهوم “الشرعية” في مسعى لزعزعة ثقة الناس في قيمة تحركهم، وإيهامهم بعبثية التغيير.
البداية تمثلت بتصدير سردية خشبية فضحت نظرة المعسكر الأمريكي المناهض للثورة إلى ما تسمى “الشرعية”، إذ قدمتها بوصفها مجرد صك دبلوماسي مأخوذ من العواصم الغربية والإقليمية، ومنحتها المظلة القانونية بمعزل عن الحضور الميداني والامتداد الشعبي والقدرة الفعلية على إدارة مؤسسات الدولة. وفي مواجهة هذا الإجراء الدبلوماسي الذي هدف إلى التأثير على نفسيات اليمنيين، خاضت صنعاء مواجهة استراتيجية واعية لتفكيك هذه السردية، واستبدلت بمفهوم الشرعية الشكلي الممنوح من الخارج مفهوماً جديداً قام على شرعية الواقع والفاعلية والصمود الميداني وفرض السيادة الذاتية على الأرض.
حصار الإعلام وهشاشة العزلة الدبلوماسية
كما استند الخطاب المناوئ للثوار -منذ التحرك الأول- إلى استخدام استراتيجية التجريد من الصفة الوطنية، بمصطلحات تأطيرية هدفت إلى إزاحة الصفة التمثيلية عن مؤسسات صنعاء، وتصوير تحركها الاستقلالي باعتباره مجرد “تمرد طارئ” أو “انقلاب يفتقد للشرعية”. ورافقت هذا التأطير إجراءات عزل إعلامية ونفسية مشددة، تمثلت في إغلاق السفارات وسحب البعثات الدبلوماسية، وحظر بث القنوات الفضائية الوطنية على الأقمار الاصطناعية الإقليمية والدولية (نايلسات وعربسات)، في محاولة لحجب المنافذ الإعلامية ومنع وصول السردية الوطنية إلى الرأي العام العالمي. وكان الهدف النفسي لهذه الحملة هو إحداث حالة من الفراغ المعنوي والسياسي، وإيهام الشارع اليمني بأن العزلة الدولية كفيلة بإسقاط المشروع الثوري المستقل مهما بلغت قدرته على الصمود.
غير أن هذه الرؤية الإعلامية الغربية المنبع كشفت عن عُقم العقليات التي ابتدعتها حين أغفلت جوهر مفهوم الدولة والشرعية السياسية؛ فالشرعية في أدبيات السياسة والواقع التاريخي للشعوب تتجاوز هذه الاجراءات، كما لم تكن يوماً نصاً دبلوماسياً يُكتب في أروقة الأمم المتحدة أو التجمعات الدولية، وإنما هي نتاج عقد اجتماعي وعملي يرتبط بقدرة السلطة على حماية جغرافيتها، وإدارة مؤسساتها، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات لجمهورها في أوقات المحن والأزمات.
وقد بدأت التقارير الدولية نفسها تعكس هذه الفجوة بين التحرك الدولي المتضرر من الثورة وبين الواقع؛ إذ أشار معهد “التحرير لسياسات الشرق الأوسط” في تحليل له إلى أن “العزلة الدبلوماسية التي فرضها التحالف لم تمنع سلطة صنعاء من إحكام سيطرتها وتنظيم مؤسسات الأمن والخدمات بشكل أظهر تماسكاً هيكلياً لم تستطع الأطراف الأخرى مجاراته”. كما أكد معهد “تشاثام هاوس” اللندني -في تقارير متتالية حول طبيعة السلطة والنفوذ في اليمن- أن “صنعاء استطاعت بناء هيكل أمني وإداري صارم يعبر عن سلطة مركزية فعلية، بينما ظلت الأطراف المعترف بها دولياً تعاني من التشرذم والارتهان الداخلي والخارجي”، ما جعل الاعتراف الدولي مجرد غطاء افتراضي لا يطابق واقع السيطرة والنفوذ.
صمود النموذج الوطني وسقوط البديل المرتهن
كما جاء التحرك الوطني في المحافظات الحرة لمواجهة خطاب أعداء الثورة صادماً بسردية لم تغترب عن الواقع ولم تقفز عليه؛ فارتكزت الاستراتيجية الإعلامية والنفسية على كشف الفارق الجوهري بين نموذج الدولة والمؤسسات الملتزمة بالواجب الوطني، والنموذج الموازي المتشرذم المعتمد على الدعم الخارجي. فمع ما تعرضت له المحافظات الحرة من حصار مالي واقتصادي خانق نَجَم عن نقل وظائف البنك المركزي وإيقاف المرتبات وتدمير البنية التحتية، ركز الخطاب الإعلامي الوطني على إبراز قدرة المؤسسات الخدمية والأمنية على الصمود وإدارة الأزمات بأقل الموارد المتاحة. وتجلت هذه الفاعلية في فرض الأمن والتنسيق الاجتماعي الشامل، وحماية أجهزة الدولة من الانهيار، ومكافحة الجماعات التكفيرية والإرهابية.
وإلى ذلك، نقل الإعلام الوطني المشهد كما هو في المناطق الخاضعة للطرف الآخر، من انقسام واقتتال داخلي وأزمات معيشية وأمنية طاحنة، وهو ما وثقته تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، والتي تحدثت منذ ذلك الوقت عن “تآكل سلطة ‘الحكومة المعترف بها دولياً’ وتنازع السيطرة والقرار بين فصائلها في عدن والمحافظات الجنوبية، وانعدام الحوكمة الاقتصادية والخدمية”. كما أشار معهد الحرب الأمريكي (ISW) في إحدى تقييماته إلى أن “صنعاء أظهرت قدرة عالية على الاستقرار التنظيمي والأمني مقارنة بالمناطق الخاضعة لسيطرة التحالف التي تحولت إلى ساحات للصراع بين الفصائل”؛ ما قدم للمواطن وللمراقب الخارجي برهاناً ساطعاً على أن الشرعية الحقيقية هي التي تحمي أمن المواطن وتدير شؤونه الحياتية باستقلالية. ومثّل ذلك الانتصار الأول والأهم على العدوان والحرب النفسية في أطوارها الأولى.
شرعية الوجود والفاعلية الوطنية
أكدت التجربة اليمنية أن الحروب النفسية والإعلامية التي تعتمد على إخفاء الحقائق أو تزييف المفاهيم قد تنجح في تضليل الرأي العام لفترة مؤقتة، إلا أنها تصطدم في النهاية بصخرة الصمود الاجتماعي الميداني والواقع المؤسسي والعسكري المتشكل على الأرض.
مفهوم “الشرعية” الذي سعت الدوائر الغربية والإقليمية إلى فرضه عبر الإعلام كمعيار مطلق، انكسر أمام مفهوم شرعية الوجود والفاعلية الوطنية؛ إذ أثبتت الأحداث أن الشرعية لا تُستورد في الحقائب الدبلوماسية، ولا تُصنع في أروقة المحافل القارية، وإنما تُنتزع بنضال الشعوب، وتُبنى بعرق أبنائها في خنادق المواجهة ومؤسسات الإدارة والتصنيع الذاتي.
وهكذا، كانت الحرب الإعلامية الموجهة ضد اليمن الميدانَ الذي أعاد فيه اليمنيون صياغة مفاهيم السيادة والمشروعية، مؤكدين لجميع القوى أن المستقبل في هذه الجغرافيا الجيوسياسية الحساسة لا يمكن أن يُكتب إلا بإرادة الأحرار، وقوة أصحاب الأرض الحقيقيين.


