
الحصار والتجويع.. أخطر أساليب الإخضاع وإسقاط الشعوب الحرة
تقرير/ عباس القاعدي
حينما تُستغل الهدنة لتتحول إلى أداة للموت الجماعي والبطيء، فإنها تفقد مسمى الهدنة لتصبح خداعاً وجريمة مكتملة الأركان، وهذا تحديداً ما ظنه العدو السعودي، حين توهم قدرته على تمرير هذا المخطط وممارسته تحت ظاهر ما يسمى “هدنة وخفض للتصعيد”، بينما ينطوي في حقيقته على مكر وخبث وحصار يستهدف إسقاط الجبهة الداخلية؛ إذ إن الحصار والتجويع -وفقاً لأهداف آل سعود- يمثل السلاح الأشد خطورة، وهو السلاح القذر الذي يتفوق في خطورته على سلاح الغارات والمتفجرات والقنابل والصواريخ.
لقد سعى العدو السعودي إلى تحويل الهدنة وخفض التصعيد إلى أسلوب للقتل البطيء، قتلٍ لا يتوسل الرصاص هذه المرة، ولا القنابل العنقودية التي اختبرها سابقاً وقتل عبرها عشرات الآلاف من اليمنيين؛ فلما فشل في إركاع الشعب اليمني وكسر إرادة أبنائه وإجبارهم على الاستسلام، لجأ إلى الأسلوب الأكثر خباثة: “فليموتوا جوعاً وحصاراً”.
كشف المقطع القصير السابق للمجرم محمد بن سلمان، والذي لم يتجاوز العشرين ثانية، عن حقيقة الاستراتيجية التي اعتمدتها السعودية وحلفاؤها ضد اليمن بعد فشل خيار العدوان العسكري أمام صمود الشعب اليمني.
وأبرز ما تضمنه المقطع والتكتيك المتبع، المراهنة على عامل الوقت؛ فإعلان بن سلمان أن “الوقت في صالحهم” يعكس الاعتماد على استراتيجية النفَس الطويل قائم على الحصار الشامل ومحاولة إنهاك الشعب اليمني، وكذلك فارق الإمكانيات والظروف، في الوقت الذي تعيش فيه دول العدوان بوفار مالي ولوجستي ودون قيود، ويُفرض على اليمن حصار يُعطل دخول الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية، بالإضافة إلى الحرب الاقتصادية، التي شملت التكتيكات نقل وظائف البنك المركزي، واستهداف العملة الوطنية، وتجفيف الموارد الماليّة لتضييق الخناق على المواطنين، ولتحقيق أهداف العدو في إركاع اليمنيين وإماتتهم، وإجبارهم على الخضوع تحت أقدام المجرم السعودي.
وكون الحصار يمثل استراتيجية إسقاط وتجويع، فإن هذه السياسة القائمة على خيار “الاستسلام أو المعاناة” ليست جديدة؛ بل هي تكرار لاستراتيجيات الحصار والتجويع التي أُديرت سابقاً في المنطقة، كما حدث في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي عندما فُرض عليه حصارٌ استمر لثلاثة عشر عاماً أدى إلى إنهاك بنيته المجتمعية والاقتصادية وتمهيد الطريق للتدخل والاحتلال الأمريكي المباشر.
وبالتالي؛ فإن تصريح المعتوه بن سلمان يلخص أن الرهان تحول من المواجهة المباشرة إلى استخدام سلاح الوقت والحصار الاقتصادي للوصول إلى الأهداف السياسية والعسكرية الامريكية الصهيونية، منها لإسقاط البلد ومن ثم احتلاله والتنكيل بأبنائه، وهذا الأسلوب يماثل تماماً ما نفذه الأمريكي والسعودي والصهاينة في العراق؛ الذي أوصلوا خلاله الشعب العراقي إلى مستويات خطيرة من الجوع والشلل التام لمختلف مناحي الحياة، ولهذا يعتبر الحصار والتجويع سياسة واستراتيجية أمريكية صهيونية سعودية تُستخدم لتدمير عدد من الشعوب والبلدان العربية، وكانت بدايتها من العراق.
هكذا فعلوا مع العراق؛ بهذه الطريقة الوحشية والإجرامية، استغلت أمريكا الأنظمة العربية، وعلى رأسها النظام السعودي، لإسقاط العراق، وكانت البداية بفرض حصار جائر استمر لنحو ثلاثة عشر عاماً، أما في اليمن، فقد اقتربت المدة مما حدث في العراق، وإن كانوا قد قدروا واعتقدوا ورسموا خططاً لمدة زمنية أقصر كي يتحقق السقوط والانهيار الداخلي بنفس النموذج الذي طبقوه في العراق.
لقد ظنوا أن اليمن يحتاج إلى وقت أقل، لكن ظنونهم خابت ورهاناتهم خسرت؛ فاليمن مختلف لأسباب عديدة، منها أن ثورته الشعبية وعوامل المواجهة والصمود فيه ذات طبيعة خاصة، إذ توفر لليمن المشروع والقيادة اللذان جعلا ثورته وقدرته على الثبات والتحمل والمواجهة نموذجاً لا مثيل له مقارنة بالعديد من التجارب على مستوى العالم.
ولم يكتفِ اليمن بالصمود، بل استطاع أن يحول المحنة والحصار إلى فرصة، وأن يتغلب على جرائم العدوان والحظر الذي شاركت فيه أكثر من عشر دول عربية بشكل مباشر، مع تقديم معظم دول العالم الدعم اللوجستي والسياسي والعسكري للسعودية؛ واستطاع أن يصل إلىالتحول الاستراتيجي في بناء قدرات عسكرية واقتصادية ذاتية ساهمت في تعديل موازين القوى ومنع السقوط والسير نحو بناء معادلات ردع جديدة.
ولهذا نستعرض الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية السعودية الخبيثة؛ استراتيجية الحصار وتجويع الشعوب بأكملها من أجل إسقاطها من الداخل، فبعد العراق، طبقوا هذه الإستراتيجية نفسها ضد الشعب السوري، بهدف إسقاط النظام الذي كان يرفض التطبيع مع العدو الإسرائيلي وظل متمسكاً بدعم حركات المقاومة.
حيث فُرضت العقوبات وحرب الحصار الاقتصادي على سوريا وخاصة عبر “قانون قيصر” لاستهداف بنيتها الاقتصادية ومنع إعادة الإعمار، وذلك لدورها الإقليمي ودعمها لمحور المقاومة ورفضها للتطبيع، والنتيجة أدى الحصار إلى ضغوط معيشية حادة على الشعب السوري، مع استمرار الاستقطاب السياسي والأمني.
وبالتالي، يُظهر تتبع هذه النماذج الثلاثة أن سياسة الحصار والتجويع تُعتمد كبديل أو مكمل للحروب العسكرية المباشرة لإنهاك مجتمعات بأكملها، إلا أن التجربة اليمنية أثبتت أن العوامل الداخلية من وعي شعبي وقيادة وإرادة يمكن أن تُفشل رهانات الإسقاط عبر الوقت.
من الضروري العودة إلى النماذج والتجارب السابقة، كي ندرك أن الأمر لا يتعلق بـمجرد تصرف سعودي عابر نتج عن تداعيات المواجهة بين اليمن والمملكة، أو أن الجانب السعودي -نتيجة لفشله الميداني- أراد عقاب اليمنيين كردة فعل مجردة على ذلك الفشل.
إن المسألة أكبر من ذلك بكثير وأشد خطورة؛ فحصار اليمن يندرج ضمن استراتيجية أمريكية صهيونية سعودية مدروسة وممنهجة، وهي ذات السياسة التي طبقوها سابقاً في العراق وسوريا لإسقاط البلدان والشعوب من الداخل بأقل كلفة ومقومات، وبلا حاجة للجوء إلى الحرب المباشرة.
إنهم يكتفون بفرص الحصار والتجويع كعامل كفيل بجعل البلد والشعب المستهدف يتفكك ويتحلل من الداخل، بل إن الحصار والتجويع يُعدّ أشد خطورة في نتائجه وآثاره وتداعياته من العدوان العسكري المباشر؛ لما يسببه من انهيار مجتمعي داخلي، وسقوط للقيم والأخلاق، وانتشار واسع للجريمة بكافة أشكالها وأنوَاعها، بما في ذلك المساومة على الشرف والأعراض وبيع الذمم تحت ذريعة البحث عن رغيف الخبز.
وكذلك محاولة سلب الشعب قدرته على الصمود من خلال إيصاله إلى مرحلة اليأس، بحيث يُصبح خيار الاستسلام أمراً ممكناً أو حتى مطلوبًا للنجاة، وبالتالي يتحول الشعب أمام هذه الاستراتيجية الحصارية الأمريكية السعودية إلى ما يشبه الهشيم والنار المستعرة التي تأكل بعضها بعضاً إن لم تجد ما تلتهمه، بينما يكتفي الأعداء بالوقوف في موضع المتفرج.
ولهذا، فإن الوعي بهذه الاستراتيجية هو خط الدفاع الأول؛ إذ إن فهم أن الحصار ليس مجرد ضائقة مالية بل هو معركة تستهدف الروح المعنوية والنسيج الاجتماعي للبلد، يُعد شرطاً أساسياً لإفشال رهاناته وتحويله من أداة للإسقاط إلى دافع للاكتفاء الذاتي والصمود.
إن هذه هي الاستراتيجية والسياسة الأمريكية التي يطبقونها وينقلونها من بلد وشعب عربي إلى آخر، غير أننا سرعان ما ننسى، إن الحصار المفروض على اليمن هو حصار أمريكي صهيوني، والسعودية ليست سوى جزء من هذا الحلف المجرم -حلف الصهاينة واليهود- حيث تؤدي دوراً فاعلاً وخبيثاً في استهداف أي دولة وشعب عربي تقرر أمريكا تدميره وحصاره وإبادة نسائه وأطفاله.
وفي التجربتين السورية والعراقية، كانت أمريكا هي التي تتصدر المشهد في الواجهة، بينما كانت السعودية حاضرة في الأبعاد التنفيذية للحصار، من خلال شراء الذمم، وتمويل الحروب الأهلية في تلك البلدان، فضلاً عن تمويل الإجراءات العقابية والحظر الذي تفرضه أمريكا.
أما في اليمن، فقد انعكست المعادلة؛ إذ توارى الأمريكي في الخلفية، بينما تصدر السعودي الواجهة في شن العدوان وفرض الحصار على الشعب اليمني، ولماذا انعكست هذه المعادلة في اليمن تحديداً؟ لقد انعكست نظراً لاختلاف طبيعة القوى التي تتذرع بها أمريكا لشن أثر حربها؛ ففي سوريا والعراق كانت هناك أنظمة سياسية علمانية، وكانت في مراحل سابقة قريبة من أمريكا -ولا سيما النظام العراقي- وهي أنظمة علمانية شبه معزولة عن قواعدها الشعبية.
أما في اليمن؛ فالأمريكي مدرك تماماً أنه يواجه شعباً يمتلك مشروعاً تحررياً بقيادة تختلف جذرياً عن القيادات والزعامات والرؤساء في بقية الدول العربية، وفي اليمن، كلما ظهرت الأصابع الأمريكية بشكل مباشر، ازداد الناس وعياً وثقة وإيماناً بالمشروع القرآني، وازدادوا التفافاً حول هذا المشروع وقيادته التي أثبتت جدواؤها وفاعليتها.
وبناءً على ذلك، عمل الأمريكي على إخراج العدوان على اليمن وكأنه حرب دينية وقومية ومقدسة يقودها نظام عربي مسلم، وهو النظام السعودي الذي يقدّم نفسه كـ “خادم للحرمين” حيث تقام قبلة المسلمين، وكان الغرض من ذلك منع الناس من الالتفاف حول المسيرة القرآنية وحول السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- بخطابه القرآني ومبادئه العربية والإسلامية؛ فكان لا بد لأمريكا ولليهود والصهاينة من التواري خلف الستار، ليقف في الواجهة النظام السعودي الذي جند الخطاب الديني والعنصري والمناطقي بغية إسقاط اليمن.
ومن هنا، فإن الحصار والعدوان على اليمن ليسا هدفاً أو فعلاً سعودياً ذاتياً؛ فالسعودي يتصدر المشهد الحصاري والعسكري تنفيذاً لأهداف أمريكية صهيونية، ولهذا السبب، يُعد النظام السعودي رأس حربة، وفي حال قُطعت هذه الذراع السعودية، سيصبح بقية الأعداء عاجزين عن مواصلة جهودهم للاستمرار في العدوان والحصار، ومع ذلك، يظل إيضاح حقيقة وأبعاد هذا المخطط، وكشف أبعاد الأجندة والأهداف الأمريكية والصهيونية، أمراً مهماً ومطلوباً.
يتحدث في المقطع السابق القيادي الفلسطيني الراحل أحمد جبريل، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة؛ حيث يتطرق إلى استخدام أمريكا للنظام السعودي في العدوان على اليمن. يُعد أحمد جبريل من كبار وأهم قادة المقاومة في فلسطين، وممن خبروا السياسة الأمريكية وعركوا أساليبها في كيفية استغلال الأنظمة العربية، وعلى رأسها النظام السعودي، لتركيع الشعوب العربية، وضرب تماسكها الداخلي، ومعاقبة أي بلد أو شعب يتجرأ على مقاومة العدو الإسرائيلي وإسناد القضية الفلسطينية.
وقد تطرقنا سابقاً إلى السياسة الأمريكية والصهيونية الخبيثة التي تعتمد الحصار والتجويع كسلاح كفيل بإسقاط المجتمعات والبلدان في المنطقة العربية خدمةً للمخطط الصهيوني الخبيث، وهو ما يؤكدها الإعلامي السعودي داود الشريان، الذي يعتبر واحد من أبرز الوجوه الإعلامية السعودية، حيث يتحدث عن تلك الفترة بالتحديد -فترة العدوان الأمريكي على العراق- وما يكشفه هذا الإعلامي المقرب من النظام السعودي الذي يوضح كيف مارس الإعلام التابع لآل سعود أساليب التضليل والكذب والتزييف ضد العراق، بهدف شرعنة الجرائم الأمريكية وتضليل الشعوب العربية حيال الذرائع والأسباب التي تسوقها واشنطن لتبرير غزوها للعراق وتدمير مؤسسات دولته وسحق شعبه.
وفي السياق، فإن المقاربة التي طرحها جبريل والتي يتقاطع معها الاعتراف الشهير للإعلامي السعودي المقرب من أروقة القرار (في إشارات سابقة لشهادات إعلاميين حول حرب العراق)، تُبرز دور “الإعلام السعودي الموجه” و”التضليل السياسي” كركيزة أساسية لا تقل خطورة عن الحصار العسكري والاقتصادي.
ولهذا؛ فإن اعترافات بعض الشخصيات الإعلامية الخليجية والسعودية حول التغطيات التي رافقت غزو العراق عام 2003م، تُعد شاهداً تاريخياً على كيفية صناعة “الذريعة”، بدءاً من شيطنة الخصم وتصوير البلد المستهدف وكأنه مصدر تهديد للأمة أو للأمن الإقليمي لتبرير ضربه.
وتبني الذرائع الأمريكية بالكامل (مثل “أسلحة الدمار الشامل” في العراق، أو “تهديد الملاحة والأمن الإقليمي” في اليمن) ونشرها عبر المنصات الناطقة بالعربية، وتخدير الشعوب العربية بالقضايا الجانبية والخطابات المذهبية أو القومية المزيفة لمنع أي تضامن عربي عابر للحدود مع الشعب المحاصر.
وبالتالي، فإن الشهادات التاريخية لقادة المقاومة كـ “أحمد جبريل”، واعترافات بعض الإعلاميين المشاركين في تلك الحقبات، تؤكد أن معركة ” التوعية وكشف التضليل” هي السلاح الأول لإسقاط استراتيجيات الحصار والإخضاع.
إنها ذات الممارسات السعودية الحالية ضد اليمن في جوانب الكذب والتضليل، ومحاولات تنصل السعودية المستمرة من مسؤولية المعاناة والحصار والجرائم التي ترتكبها بحق الشعب اليمني.
وفي المقطع السابق، يعترف أحد أهم الإعلاميين السعوديين -الذي شغل منصب رئيس الإعلام الرسمي السعودي إبان الغزو الأمريكي للعراق- بأنهم مارسوا التضليل والكذب وسخروا الإعلام لممارسة الدعاية السياسية ضد العراق، بهدف تبرير الغزو والإجرام الأمريكي بحق الشعب العراقي العربي المسلم.
فإذا كان آل سعود يسخرون إعلامهم لخدمة أمريكا بتلك الطريقة التي سمعناها، فكيف يكون الحال وهم يخوضون العدوان على اليمن باعتبار المعركة معركتهم والعدوان عدوانهم المباشر؟ كم يا ترى حجم الكذب والتضليل والمال والجهد الذي سخرته السعودية من أجل تحريف الحقائق وتثبيت سردية مفادها أنها لا تستهدف اليمن ولا تكن أي كراهية أو حقد ضد اليمنيين؟ إذ يحاول الجانب السعودي إقناع الجميع وترسيخ فكرة أن مشكلته إنما هي مع “الحوثيين” -بحسب تعبيره- بينما يزعم أنه يقدم المساعدات للشعب اليمني ويكن له مشاعر الحب والتقدير.
إن الإعلام السعودي في مراحل الاستهداف الأمريكي الصهيوني للدول العربية كان يختلف عنه في مواجهة اليمن؛ إذ لم يسبق للسعودي أن انكشف وتعرى وهُزم وأصبح مثالاً للعجز والخزي والعار والفشل كما حدث له في مواجهة الشعب اليمني، وهاتيك النتيجة تُعد من النتائج المهمة جداً لصمود وثبات اليمن وشعبه وأبطاله.
فكيف كان الإعلام السعودي في بداية العدوان وكيف أصبح حاله اليوم؟ مَن ذا الذي بات يصدق قناة “العربية” أو “الحدث”؟ بل من الذي يتابعهم أساساً؟ لقد اندفعوا في بداية العدوان ورفعوا السقف عالياً، وكم نسجوا من انتصارات وهمية، وكم ادعوا مقتل قيادات، ليتبيّن في نهاية المطاف أن ذلك كله لم يكن سوى كذب محض لا أساس له من الصحة.
ولتوضح ما سبق، فإن تتبع خط سير الإعلام السعود، يُظهر تحولاً جذرياً في الأداء والسردية نتيجة الصمود اليمني، بدءاً من مرحلة الاندفاع والتهويل عام 2015م، حيث اعتمد الإعلام على ضخ إعلامي مكثف حول “حسم خاطف خلال أسابيع”، وفبركة شائعات متكررة حول اغتيالات أو سقوط مناطق حساسة، في محاولةٍ لخلق حالة رعب وصدمة تؤدي للنكوص الداخلي، مروراً بمرحلة الاصطدام بالواقع.
فمع استمرار الثبات اليمني وتطور قدرات الردع، ووصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى العمق السعودي، أصبحت الرواية الرسمية متناقضة مع ما يراه الشارع العربي والإقليمي بالعين المجردة، وصولًا إلى مرحلة الإفلاس وسقوط التأثير، حيث أدى التكرار المستمر للأكاذيب إلى “تآكل المصداقية”؛ وفقدت تلك المنصات قدرتها على توجيه الرأي العام، وأصبح المتابع يبحث عن الحقيقة في وسائل إعلام المقاومة والميدان الحقيقي.
وعلى عكس التجربتين العراقية والسورية، حيث استطاعت الماكينة الإعلامية الغربية والعربية تضليل شريحة واسعة من الرأي العام لفترات طويلة؛ فإن النموذج اليمني أحدث خرقاً غير مسبوق لعدة أسباب، طول أمد الصمود، وكسر الرهان الزمني وأجبر الإعلام المعادي على مناقضة نفسه مراراً وتكراراً، توثيق الإعلام الحربي للمشاهد الميدانية والعمليات العسكرية بالصوت والصورة، ما أبطل الشائعات في مهدها وأوجد “توازناً في المعركة الإعلامية”.
ومع وضوح الرؤية لدى الشعب اليمني، واسهام الوعي الجماعي بطبيعة المعركة جعل المحاولات الطائفية والمناطقية تفشل في تفكيك النسيج الداخلي، ولهذا فإن هبوط مستوى التأثير الإعلامي لوسائل الإعلام التابعة لدول العدوان يُعد في حد ذاته انتصاراً استراتيجياً في معركة الوعي؛ فعندما يسقط سلاح التضليل، يفقد المحاصر أهم أداة كان يراهن عليها لإخضاع الشعوب وتبرير جرائمه.
اثنا عشر عاماً والإعلام السعودي يحقق انتصاراته وتقدماته داخل استوديوهاته فقط، أما على أرض الواقع، فقد أصبحت السعودية تحت رحمة صواريخ ومسيّرات اليمن وقواته المسلحة، ومن خلفهم الشعب اليمني الذي تحولت لديه سنوات العدوان والمحنة والتحدي إلى عامل دافع للاعتماد على الذات، والتطوير والتصنيع، وبناء ومراكمة عوامل القوة والصمود.
وفي المقابل، استمر الإعلام السعودي يعيش في أوهام أبراجه العاجية، متمسكاً بسياسة الاحتقار والتعالي، وعجز آل سعود عن الاعتراف بتبدل الموازين وبأن بغيهم وإجرامهم قد أدى إلى نتائج عكسية تماماً، لقد تمسكوا بإنكار الحقائق والمتغيرات الميدانية، حتى تلقوا أكبر وأهم صفعة في منتصف ديسمبر 2019م، بعد مضي أربع أو خمس سنوات على انطلاق العدوان ضد اليمن.
وتوالت الضربات التي أثبتت زيف السردية الإعلامية للعدوان، وكان أبرزها الانكسارات الكبرى وعمليات الردع الاستراتيجية التي استهدفت العمق الحيوي والاقتصادي، أثبتت أن النفط والمنشآت الحيوية التي يُعتمد عليها لتغذية العدوان ليست بمعزل عن الرد، وأن المظلة الحماية الخارجية غير قادرة على توفير الأمان التام، وسقوط الرهان على الوقت، حيث أدرك المخططون أن استمرار الوقت لا يعمل لصالحهم، بل يتيح للشعب اليمني بناء وتطوير المزيد من مفاجآت الردع.
إن الدروس المأخوذة من هذه الحقبة تُظهر أن إرادة الشعوب ووعيها الجماهيري قادران على اختراق أكبر الحروب الإعلامية والنفسية؛ فعندما يتحدث الميدان بالواقع والدلائل، تتلاشى كل التغطيات المضللة، ويتحول الحصار من أداة للإخضاع إلى دافع للسيادة والتحرر والتصنيع المستقل.
كانت ضربة بقيق وخريص النفطية،التابعتين لشركة أرامكو، التي نفذتها القوات المسلحة عام 2019م، الضربة الأهم والأشد قسوة التي تلقاها النظام السعودي رداً على عدوانه وحصاره المباشر لليمن منذ تلك العملية.
وسياسة آل سعود معروفة بالتكتم والتعتيم؛ نظراً لأن هذه الضربة شكلت إهانة كبرى وسابقة غير مسبوقة في تاريخ الكيان السعودي، ناهيك عن حجم الخسائر التي خلفتها، ولأنهم لم يستوعبوا بعد حقيقة القدرات اليمنية التي نفذت تلك العملية، مما جعلهم يواصلون المكابرة وتوجيه أصابع الاتهام بقولهم: “إيران هي من نفذت”، وهو أمر لا يشكل لدينا أي مشكلة، لأننا في اليمن مدركون تماماً حجم القدرات التي وصلنا إليها بفضل الله عز وجل في تصنيع السلاح الكفيل بتأديب هؤلاء المترفين المجرمين.
مع مرور الوقت، لم تعد مساحات الإنكار والتكتم قادرة على إخفاء حجم الفاجعة التي عاشتها القيادة السعودية؛ حيث جاءت تصريحات وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، وغيره من المسؤولين لاحقاً، لتكشف عن حالة الإرباك والذعر والظروف العصيبة التي عاشها وعاشتها مملكة آل سعود في لحظات احتراق “أرامكو”، وتوقف صادرات النفط، رداً على العدوان والحصار اللذين يمارسانه ضد اليمن وشعبه الصامد.
وتُعتبر عملية استهداف منشآتي “بقيق وخريص” تحولاً مفصلياً ونقطة فارقة في تاريخ العدو السعودي؛ إذ شكلت الصدمة الأكبر التي زلزلت الرواية الإعلامية للسعودية، وكشفت هشاشة المنظومة الدفاعية والاقتصادية التي كان يُراهن عليها لإخضاع اليمن.
فعلى المستوى الاقتصادي، أدت الضربة إلى توقف أكثر من 50% من إنتاج النفط السعودي (حوالي 5.7 مليون برميل يومياً)، وهو ما يعادل نحو 5% من الإمدادات العالمية للنفط حينها، ما تسبب في أضخم قفزة لأسعار الخام في التاريخ الحديث خلال يوم واحد.
أما المستوى العسكري والدفاعي، فقد كشفت الضربة عن فشل ذريع لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية الحديثة (مثل منظومات باتريوت) في حماية أهم المنشآت الحيوية، ما أسقط أسطورة الحماية الخارجية.
وأثبتت عملية بقيق وخريص أن الاعتماد على الله، واستثمار الظروف الصعبة لبناء وتطوير القدرات العسكرية الذاتية، كفيل بكسر الأبراج العاجية للمعتدين، وفرض معادلة “الدم بالدم، والنفط بالنفط، والحصار بالحصار”.
هذا هو عبد العزيز بن سلمان؛ حينما يتحدث عن مشاعره في لحظة إبلاغه باحتراق مقرات وأنابيب “أرامكو”، فهو في الحقيقة يعبر عن مشاعر الأسرة الحاكمة بأكملها، لقد صرّح بأنه قد ينسى أي شيء في حياته إلا ذلك اليوم وتلك الضربة، واصفاً إياه باليوم الأسود الذي تحولت فيه المنطقة إلى ظلام، ومعبراً عن شعور بالانكسار لم تعرفه الأسرة السلمانية في تاريخها، بل اعتبره أكبر انكسار مر عليه في حياته، وهذايعكس الصدمة النفسية والاستراتيجية التي أحدثها وصول الرد اليمني إلى قلب الشريان الاقتصادي للكيان السعودي.
وفي الواقع، إن ضربة بقيق وخريص وإحراق “أرامكو” وتعطيل نصف صادرات النفط السعودي في عملية واحدة ليس بالأمر العادي ولا الهين؛ فمجرد استهداف “أرامكو” يُعد حدثاً مدوياً غير مسبوق، إذ لم يسبق لأحد أن سدد ضربة كهذه، ولا يمكن لأحد أن يتخيل الوصول بالمواجهة مع السعودية إلى هذا المستوى؛ فمن يجرؤ أساساً أو يفكر في ذلك؟
لكنهم هم من اختاروا أن تصل المواجهة إلى هذا الحد بصلفهم وإصرارهم على استمرار الإبادة والقتل والحصار بحق الشعب اليمني الصابر والمظلوم؛ ولذا لم تأتِ ضربة “أرامكو” إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة من العدوان، خاب فيها انتظار الناس لوقف هذه الحرب وأن يكتفي الجانب السعودي بما اقترفه ويراجع حسابه وعدوانه. غير أنه لم يستوعب ولم يراجع نفسه، ولم يرَ أي حرمة للدم اليمني ولا لحياة ثلاثين مليون يمني.
وبناءً على ذلك، كان لا بد من توجيه ضربة مسددة للعدو السعودي، علّه يصحو من سكرته ويفيق ويدرك أن الواقع قد تغير تماماً.
والخلاصة؛ أنه رغم تلكم الضربة، اتجه الجانب السعودي إلى استخدام أسلوب آخر يتلخص في محاولة الانسحاب التدريجي من المواجهة المباشرة، والاستعاضة عن ذلك بتطبيق إستراتيجية الحصار والخنق بغية إسقاط اليمن من الداخل، حتى لو تطلب ذلك سنوات طويلة من الحظْر، على غرار ما فعله الأمريكيون في العراق على مدى ثلاثة عشر عاماً وفي سوريا طيلة أربعة عشر عاماً، متوهمين أن هذا الأسلوب قد يوصلهم إلى نتائج مشابهة مع هذا البلد.
ويترافق مع تلك السياسة تأجيج وتحريض وتأليب مستمر، واستغلال لأوجاع الناس وآلامهم للتحريض ضد القوى الوطنية في صنعاء؛ حيث ظنوا وراهنوا على أن هذا الأسلوب كفيل بإسقاط اليمن تحت وطأة الحصار والأزمات الإنسانية المتفاقمة.
ولكن الحصار والتحريض الداخلي يصطدم بعوامل صلابة جوهرية أهمها الوعي المجتمعي بطبيعة العدوان، حيث يدرك الشعب اليمني أن سبب الأزمة الاقتصادية والمعيشية هو العدو السعودي الذي يفرض حصار، ونقل وظائف البنك المركزي، وسرق الثروات النفطية والغازية، وليس الطرف الذي يدافع عن سيادة البلد، بالإضافة إلى تكامل المواجهة عسكرياً وتطور الوعي الشعبي لإحباط مخططات “الحرب الناعمة” والتفكيك الداخلي.
في الوقت الذي كان فيه نظام آل سعود يشدد خناق الحصار على اليمن، كانت الحرب الإعلامية والتوظيف السياسي والإعلامي لمعاناة المواطنين قد بلغت أوجها؛ حيث أُعدّ الإعلام السعودي والموالون له ليكونوا في أعلى درجات الجاهزية لاستغلال واستثمار مظاهر الأزمة الإنسانية الشاملة، من مشاهد الجوع والفقر وتوقف صرف المرتبات، وتوجيهها كأوراق للتحريض والتأليب المباشر ضد الجبهة الداخلية وتماسكها.
ويُستخدم الحصار الاقتصادي ليس فقط كأداة لخنق الشعب، بل كمادة خام تُغذّى بها الماكينة الإعلامية والسياسية، لصناعة الأزمة ثم الاستثمار فيها من خلال إغلاق المنافذ، نقل البنك المركزي، وتجميد الإيرادات النفطية ومنع صرف المرتبات لخلق واقع معيشي معقد، ثم قلب الأدوار وجعل الضحية هي الجاني، حيث يُركز الخطاب الإعلامي للعدو السعودي على تغييب السبب الرئيسي، والتكتم التام على الحصار والقيود الفرضية على ميناء الحديدة ومطار صنعاء أو احتجاز الثروات الوطنية.
وبكل وضوح، قام العدو السعودي وبضوء أخضر أمريكي، بنقل البنك المركزي بهدف حرمان اليمنيين من مرتباتهم، ولخلق أزمة إنسانية ومعيشية خانقة؛ هكذا بالعلَن وعلى النحو المباشر بغية تجويع الشعب اليمني، انطلاقاً من مراهنته على أن الجوع سيُفضي حتماً إلى الفوضى والاحتراب الأهلي، ويمهد لإسقاط البلد وتفكيكه من الداخل، ليأتوا بعد ذلك لاجتياح البلاد، وارتكاب أفظع الجرائم، وتصفية الحسابات، وإعادة تشكيل اليمن بما يخدم أهدافهم ومصالحهم ومصالح أسيادهم من الأمريكيين والصهاينة.
المسيرة نت


