تقرير: الحصار والعدوان يبددان قطاع السياحة في اليمن ويكبّدانه مليارات الدولارات من الخسائر

كان قطاع السياحة يعد نافذة اليمن على العالم، ومصدراً للدخل وفرص العمل لمئات الآلاف من الأسر، قبل أن يؤدى العدوان والحصار السعودي الأمريكي الإماراتي إلى تعطيل حركة السفر والأنشطة السياحية، وانكماش الاستثمارات، لتتحول معاناة العاملين فيه إلى واحدة من أبرز الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي شهدها هذا القطاع.

 

ففي بلد يحتضن مدناً تاريخية ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، ومقومات سياحية تمتد من الجبال إلى السواحل والصحارى، تكشف الإحصاءات عن تراجع غير مسبوق أصاب قطاع السياحة، بعدما أدى الحصار واستهداف المطارات إلى شلل شبه كامل في النشاط السياحي، وانعكس ذلك على الاقتصاد الوطني، وعلى حياة العاملين في هذا القطاع.

 

وتشير الإحصاءات إلى أن الخسائر لم تتوقف عند حدود الإيرادات والاستثمارات، بل امتدت إلى تعطيل حركة السياح والمغتربين، وإغلاق مئات المنشآت السياحية، وتراجع فرص العمل، وتضرر المواقع التاريخية والثقافية، في مشهد يعكس حجم التحولات التي شهدها هذا القطاع خلال سنوات العدوان.

 

قبل العدوان كان قطاع السياحة أحد القطاعات الواعدة في الاقتصاد الوطني، إذ أسهم في تنشيط الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وجذب العملات الأجنبية، مستفيداً من التنوع الطبيعي والثقافي الذي تتميز به البلاد، إلا أن هذه المكانة شهدت تراجعاً حاداً خلال الـ11 عاماً الماضية، مع توقف حركة السياحة وتراجع الاستثمارات المرتبطة بها.

 

وأفادت تقارير وزارة السياحة بأن العدوان والحصار تسبب في إغلاق 543 وكالة سياحية، بخسائر قدرت بنحو مليار دولار، فيما بلغت خسائر توقف حركة الطيران من وإلى اليمن نحو ملياري دولار، الأمر الذي أدى إلى تسريح أكثر من 95 في المائة من العاملين في القطاعات السياحية المختلفة.

 

كما خسرت البلاد ما يقارب مليار دولار سنوياً من الإيرادات السياحية التي كانت تحققها من تدفق السياح الأجانب، بإجمالي يقدر بنحو 11 مليار دولار خلال السنوات الماضية، استناداً إلى مستويات النشاط السياحي المسجلة عام2014، وتشير التقديرات إلى أن هذه الخسائر كان من الممكن أن تكون أكبر إذا ما أُخذت في الاعتبار معدلات النمو التي كان القطاع مرشحاً لتحقيقها.

 

وأدت هذه التداعيات إلى تراجع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 6 في المائة قبل العدوان إلى أقل من واحد في المائة خلال الفترة من 2015 إلى 2025، بعدما تحول من أحد القطاعات الداعمة للاقتصاد الوطني إلى قطاع يعاني من شبه توقف في أنشطته، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على العاملين فيه وعلى القطاعات الاقتصادية المرتبطة به.

 

ولم يكن أثر الحصار مقتصراً على توقف الرحلات السياحية، بل أعاد رسم علاقة اليمن بالعالم، فقد تراجعت حركة المسافرين بصورة غير مسبوقة، وتوقفت الفعاليات والمؤتمرات العلمية والثقافية والاقتصادية، وانكمشت فرص التواصل مع الخارج، واتسعت معاناة المواطنين والمغتربين والعاملين في القطاع السياحي.

 

حيث أدى الحصار إلى خسارة زيارة أكثر من 400 ألف سائح أجنبي سنوياً كانوا يقصدون البلاد للتعرف على إرثها الحضاري والطبيعي، في حين حُرم حوالي 500 ألف مغترب يمني من العودة إلى وطنهم سنوياً لزيارة أسرهم وأقاربهم.

 

وطالت آثار الحصار النسيج الاجتماعي والإنساني، إذ حالت دون لقاء آلاف الأسر اليمنية بأبنائها المغتربين لسنوات متتالية، كما حرمت اليمن من استضافة العديد من المؤتمرات والمهرجانات والملتقيات العلمية والاقتصادية والطبية والثقافية، التي كانت تمثل نافذة للتبادل المعرفي والتواصل مع العالم.

 

وأدى الحصار أيضاً إلى إضعاف الحضور الثقافي والسياحي لليمن على المستوى الدولي، وأفقده كثيراً من الفرص المرتبطة بالترويج لإرثه الحضاري واستقطاب الاستثمارات والفعاليات الدولية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي والثقافي في البلاد.

نصف مليون أسرة فقدت مصدر رزقها

 

وراء كل منشأة سياحية أغلقت أبوابها، ووكالة سفر توقفت عن العمل، قصة أسرة فقدت مصدر دخلها، وعامل وجد نفسه خارج سوق العمل، في وقت كانت فيه السياحة تمثل أحد أهم القطاعات المولّدة لفرص العمل، فقد أدى التراجع الحاد في النشاط السياحي إلى تضرر أكثر من 500 ألف أسرة كانت تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا القطاع، بعد توقف آلاف الأنشطة المرتبطة بالفنادق، ووكالات السفر، وشركات النقل السياحي، والمطاعم، والأسواق الشعبية، والحرف التقليدية، وغيرها من المهن والمشاريع الصغيرة التي كانت تعتمد على إنفاق الزوار والسياح.

 

وكان قطاع السياحة قبل العدوان يشكل رافعة اقتصادية واجتماعية لآلاف الأسر، لما يوفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلا أن التراجع الكبير الذي شهده القطاع حرم مئات الآلاف من اليمنيين من مصدر رزقهم، وتسبب في اتساع دائرة البطالة وفاقم من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

 

مدن كانت تستقبل العالم… فأصبحت تنتظر زواره

 

كانت المدن التاريخية اليمنية، بما تضمه من أسواق عتيقة، وبيوت طينية شاهقة، وقلاع وحصون شاهدة على تعاقب الحضارات، تستقبل آلاف الزوار سنوياً، لتقدم صورة عن اليمن بوصفه أحد أهم مراكز الحضارة الإنسانية في المنطقة.

 

إلا أن التراجع الكبير في حركة السياحة حوّل كثيراً من تلك المدن إلى وجهات شبه خالية من الزوار، بعد أن توقفت الرحلات السياحية، وانخفضت الحركة في الأسواق التاريخية، وتراجعت الأنشطة الثقافية التي كانت تمنح هذه المدن حيويتها.

 

ويؤكد مختصون أن استمرار هذا الواقع لا يعني خسارة عائدات اقتصادية فحسب، بل يهدد أيضاً الدور الثقافي والحضاري الذي اضطلعت به هذه المدن عبر عقود، باعتبارها جسراً للتواصل بين اليمن والعالم، وواجهة تعكس عمق تاريخ البلاد وتنوعها الحضاري.

 

إذ امتدت الخسائر إلى الإرث الحضاري الذي يمثل ذاكرة اليمن الممتدة عبر آلاف السنين، فالمعالم التاريخية والأثرية التي ظلت شاهدة على تعاقب الحضارات تعرضت، وفقاً للإحصاءات لأضرار واسعة أفقدت البلاد جانباً من رصيدها الثقافي والإنساني.

 

حيث استهدف العدوان أكثر من 473 معلماً وموقعاً سياحياً وتاريخياً، وأكثر من خمسة آلاف و102 منزلاً تاريخياً، و48 قلعة وحصناً، وأكثر من110 مساجد ومدارس وقباب تاريخية، إضافة إلى 23 ضريحاً ومقاماً ومقبرة تاريخية، وهي مواقع تمثل جزءاً من الهوية الحضارية لليمن وتاريخه الممتد لآلاف السنين.

 

ويرى مختصون أن استهداف هذه المعالم لا يقتصر أثره على المباني الحجرية، بل يطال الذاكرة الثقافية للمجتمع، ويحرم الأجيال القادمة من شواهد تاريخية شكلت على مدى قرون جزءاً من الهوية الوطنية والإنسانية.

 

المتاحف والآثار… خسارة لا تعوض

 

وطال العدوان المؤسسات الثقافية والمتاحف التي تحفظ الإرث التاريخي لليمن، حيث استهدف أكثر من ١٣ متحفاً، و68 معلماً أثرياً ما أدى إلى تدميرها بشكل كلي وجزئي، و11 مركزا ثقافيا وثلاثة مسارح و17 مكتبة عامة، وتسبب في إغلاق أغلب المؤسسات والنوادي الثقافية الخاصة وتوقف أنشطتها.

 

الأضرار لم تتوقف عند حدود التدمير، بل شملت أيضاً سرقة وتهريب أكثر من ثمانية آلاف قطعة أثرية، وهو ما يمثل خسارة يصعب تعويضها، لأن هذه القطع لا تقتصر قيمتها على بُعدها المادي، وإنما توثق مراحل مفصلية من تاريخ اليمن وحضاراته المتعاقبة، الأمر الذي يهدد بفقدان جزء مهم من الذاكرة الحضارية للبلاد، ويضعف فرص الحفاظ على الإرث الثقافي الذي ظل لعقود أحد أبرز عوامل الجذب السياحي في اليمن.

 

خسارة تتجاوز الاقتصاد

ولا تقاس تداعيات ما تعرض له القطاع السياحي بحجم الإيرادات المفقودة أو المنشآت المتوقفة فحسب، إذ يرى مختصون أن تراجع الحركة السياحية ألحق ضرراً واسعاً بالصناعات والحرف التقليدية التي ارتبطت تاريخياً بالزوار القادمين إلى اليمن، وأسهم في انكماش الأسواق الشعبية التي كانت تمثل واجهة للمنتجات المحلية والتراثية.

 

عندما يصبح السفر مسألة حياة

 

ولم تتوقف التداعيات الإنسانية عند العاملين في القطاع السياحي أو خسائر المواقع الأثرية، بل امتدت إلى الوسط الثقافي والإبداعي، حيث توفى المئات من الأدباء والمفكرين والفنانين، نتيجة عدم تمكنهم من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، في ظل الحصار وإغلاق مطار صنعاء الدولي، ما شكل خسارة لخبرات وإبداعات أسهمت في إثراء الحياة الثقافية والفكرية في البلاد، وكان يمكن أن تواصل عطائها لو أتيحت لها فرص الوصول إلى الرعاية الصحية في الوقت المناسب.

 

وبين مدن تاريخية خلت من زوارها، وأسواق فقدت حركتها، وأسر انقطع مصدر رزقها، ومغتربين حال الحصار دون لقاء ذويهم، ترسم الإحصاءات صورة لقطاع لم يخسر إيراداته فقط، بل فقد جانباً من دوره بوصفه جسراً للتواصل الإنساني والحضاري بين اليمن والعالم. مؤكدة أن إعادة إحياء السياحة تبدأ بإنهاء الحصار وتكفل حرية التنقل، وتدفق الزوار، والحفاظ على الإرث التاريخي والثقافي، بما يعيد لهذا القطاع مكانته ودوره في دعم الاقتصاد وخدمة المجتمع.

مقالات ذات صلة